عمرو عنده، ولكنه لكونه يروي عن صحف كما صرح به لليث، ومن المعلوم أن الرواية عن الصحف أضعف بكثير من الرواية عن طريق السماع، وكان زمن أيوب زمن سماع، فاستحى أن يراه الناس، وهو يتحمل عن صاحب صحف، ولكنه لم يمتنع من ذلك، لأنه لا يرى بهذا بأسًا، وإن كان يكرهها أهل عصره، فاستحى منهم عند التلقي، ولكنه لم يستحِ حين التحديث عنه، لأن في هذا أداء للأمانة ونشر للعلم.
أما تحذيره الليث من جواليقهما، فالظاهر أيضًا: أن هذا من باب التضعيف النسبي، وليس من باب التضعيف المطلق، وذلك أنه رأى من الليث عدم حرصه على حديثي طاوس ومجاهد، ولكنه حرص على المرويات عن وهب وعمرو، فأمره أن يشد يده على حديث من لم يحرص على حديثهما لقوة اتصال أسانيدهما، وحذره من حديث من رأى أنه قد حرص على حديثهما لروايتهما عن الصحف، فعلى هذا فقد تحدد لنا أنه لم ينهِ الليث عن حديثهما ابتداءً، إنما في مقابل حديث من كان إسناده أقوى اتصالًا، أما أصل التحديث عنهما فهو جائز وصحيح ولذلك حدث عنهما كما روى ذلك الأئمة عنه، وبهذا تجتمع الروايات عن أيوب - رحمه الله -.
إلا أن الأخ فريحًا اعتبر قول أيوب لليث من الوجوه الدالة على ضعف رواية عمرو بن شعيب مطلقًا، فقال: إن من الثقات المشهورين الذين رووا عن عمرو بن شعيب أيوب السختياني، وقد نقل عنه التحذير من الرواية عن عمرو بن شعيب فقد جاء عنه أنه قال لليث ابن أبي سليم .. إلخ [1] .
وهذا فيه نظر لما سبق، ولأن أقوى ما يفسر به قول الإمام أيوب تحديثه عنه، ومن المقرر بين علماء الحديث أن هذا التحديث يقوي أمره حتى احتجوا بتحديثه عنه، فكيف يترك الأمر الصريح، ويتمسك بكلام محتمل، جاء العمل على خلافه، فيجب التوفيق بينهما لئلا ينسب إلى الإمام ما لم يقل به؟! ـ والله أعلم ـ.
(1) امتنان العلي بعدم زكاة الحلي 91.