قف: و مما أجد في نفسي من الصغر الاغتباط بسكنى فاس لوجه واحد لا ثاني له وهو كونها أسست من قبل الأشراف و كان بنيانها على أيديهم فلم تعدم بركة ذلك أصلا بفضل الله تعالى ثم لعظيم جاه أحب خلقه عنده و مما يتأسى به أيضا سكناها كون المهاجر بها محقورا أكثر من غيرها و الشرفاء معظمين بها أكثر من غيرها من البلدان على أني رأيت في هذا التعظيم آفة دنيوية و دخنا ظاهرا و دسيسة نفسانية و هي أنك تجد الأكثر يقتصرون في تعظيم الأشراف على من كان منهم ذا جاه أو مال أو سطوة بحيث يتقي منه تقية و لاشك أن هذا المقتصر على ما ذكر لا حظ له في الاعتناء بآل البيت و الدليل على ذلك تجده يعظم ولاة الأمر أو من يخاف من شرهم أو من أقبلت عليه الدنيا و إن كان إسلاميا نحوا من تعظيمه للشريف و العلة في هذا أن التعظيم و الإكرام و الاعتناء و الاهتمام هي من لوازم مشاعر الحب و ميل النفس فمن كان محبا بصدق لسيد الأكوان عظم أحفاده ولو كان الواحد منهم فقيرا او خامل الذكر و كذا كل ما هو منه يسبب و لهذا كل من كان حبه و تعشقه للدنيا عظم كل محل رأى فيه شيئا من آثار محبوبته و لقد كنت في المكاتب أشاهد هذا المعنى في طباع الأطفال الصغار و أنا يومئذ من جملتهم فيتمجد مخاطبتهم للشرفاء على أربعة مراتب فمن كان منهم له أبوة قائمة بدار السلطنة قيل له سيدي و من كان من أبناء الأغنياء و التجار قيل له سيدي الشريف و من كان أبوه مقتصر اليسر لا مفتقرا لأحد قيل له الشريف و من كان أبو مفتقرا أو في صنعة خاملة كالحياكة قيل له الشريف بالتصغير قاتلهم الله كيف تطلعت قلوبهم و نبتت لحومهم في أول النشأ على حب الدنيا و تصغير كل حقيقة تابعة لها فاعتبر و استغفر و في الدسائس الشيطانية أيضا التي سرى سمها