فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 133

عريض لا يحتمله هذا الوجيز، وإليك أخرى وهو ربط هذه الكائنات بمضها ببعض من الكوكب الأعلى إلى المخلوقات الدنيا، ليكون من هذا الربط الدليل الأنور على وحدانية بارئها، وأنه أكبر من أن يكون له شريك. وشرح هذا على التفصيل يحوج إلى مجلد ضخم، ولا أكون مبالغا إذا قلت إلى مجلدات، والذي أستطيع أن أقوله لك هو أن هذا العالم من أفقه الأعلى إلى حضيضه الأدنى، على كثرة أنواعه، وخروج أفراد الأنواع عن عد العادين، قد وضع من الارتباط بحيث يكون كالجسم الواحد، لكل جزء من أجزائه وظيفة لها دخل في وظيفة المجموع كله، ولتقريب هذا عليك أقول: أنت ترى الأرض يخرج منها النبات وتختبئ في باطنها المعادن والمياه، ويعيش عليها الإنسان والحيوان، وتحمل البحار وتجري فيها الأنهار، فلو أن الشمس زالت من الوجود لذهب هذا الخير كله أوجله ولو أمعنت في التبصر لرأيت في مجموع هذه المخلوقات تعاونا عاما يناجيك بوحدة تنطق بأفصح لسان: ألا إني صنع لرب واحد، فتبحر في علم الكواكب وأوضاعها وفي علم أعضاء الإنسان ووظائفها وحاجتها إلى ما حولها، وفي علم الحيوان والنبات وعلم العناصر والكهرباء وانتفاع الكل بما في الكل ثم افتح صمع قلبك فستسمع هذا النداء بوحدانية خالق هذه الأشياء، وأنه لا يصلح للألوهية سواء ولا تليق هي إلا به جل علاه.

ودونك ثالثة وهي استشعار هذا النوع الإنساني المقصود من الخليقة كلها، وكيف لا وقد خلق له كل شيء {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13] أي من إحسانه وجوده، استشعار هذا النوع بمزيد احتياجه إلى كل شيء مما حوله وما فوقه، وما تحته، وفاقة بعضه إلى بعض، فيرتقى من شعوره بحاجته إلى الكائنات إلى الإحساس بشدة فاقته إلى من أوجده وأوجدها، ومكنه فيها وله صخرها، فيتشرف بكمال التبتل إليه والانقياد لرسله، فيسمد بذلك سعادة الأبد، فإنه إذا لم يستشعر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت