احتياجه كان كما قال جل قائلا {الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6، 7] وما أروع ما قال القرآن الحكيم في هذا المعنى وما أبلغه وأثراه لمن أجال فيه فكره وأحسن تدبره، وذلك قوله تعالى {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49] فانظر كيف حذف مفعول التذكر لأن المتذكرين مختلفون جد الاختلاف في استعداداتهم ومعارفهم ضيقا وسعة، وقلة وكثرة، فلا محالة يتفاوتون فيما يتذكرون فمن متذكر باحتياج كل من الزوجين إلى الآخر فاقة بعض الممكنات إلى بعض، فهي إلى الواجب الذي أوجدها أشد حاجة، وأعظم فقرا، ومن آخر يلمح النقص في كل شيء لحاجته إلى زوجه فيتذكر غنى الخالق المطلق وانفراده بالكمال الأتم فيبصر من خلال زوجية الأشياء جلال وحدانية رب الأرض والسماء، ومن ثالث ينظر إلى أن الشيء قد خلق له زوجه الذي يكمل به، فيتذكر كمال رحمة هذا المنعم، وإحسانه إلى كل شيء بكل شيء. إلى غير ذلك. وقد نبهناك بالقليل على الكثير، فاستزد بحثا يزدك الله علما، وليس ما كتب في تفسير الذكر الحكيم على كثرته بمستوف درر بحاره التي لا يعلم مداها إلا الذي أنزله، ولذلك روى عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في وصف القرآن العظيم: هو الذي لا تنتهي عجائبه، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق ــ أي لا يبلى ــ على كثرة الرد ــ أي التكرار له. والأثر أخرجه الترمذي وغيره، وقد روى مرفوعا وموقوفا والأصح وقفه ولما في ناموس التزاوج بين الأشياء من الأسرار والحكم التي عرفناك شيئا منها، مدح الله نفسه بخلق الأزواج كلها، مستهلا بالتسبيح حثا للعباد على استنباط ما أودع من كنوز الحكم في جميل صنعه، وأنيق ترتيبه، وبديع وضعه فقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} [يس: 36] وفي الآية الكريمة بدائع من آيات إعجاز القرآن فإن الناس ما كانا يعرفون التزاوج إلا في أنفسهم وفي الحيوان، وقليل من الأشجار، والآية الشريفة تبدأ بأن الأزواج قد خلقت في النبات