عند المخاطبين أو أهل العلم من جيرانهم، ويعد أو يوعد، ويبشر أو ينذر، ثم يتبع ذلك بالجزئية التي شاهدتها الأمة أيام التنزيل، أليس هذا هو الذي يسمونه اليوم بالطرق الحديثة، والبراهين العلمية، سلكه القرآن قبل أن توجد هذه الأسماء وواضعوها؟ اقرأ إن شئت {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ} [آل عمران: 12] الآية، ثم اتل تاليتها فإذا هي تقول {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا} [آل عمران: 13] يعني المسلمين الكافرين في غزاة بدر وقد شاهدها المخاطبون، نصر المؤمنون غير ذوى عدد ولا عدد على الكثرة ذات العدد والعدد الكثيرة وهم لا يعرفون لذلك سببا إلا نصر الله وتأييده، ولذلك واجههم بقوله {وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: 13] واقرأ قوله تعالى {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} [الفتح: 20] أي مصالحة الحديبية {كَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 20] ومن هذا القبيل قوله تعالى {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران: 123] (ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين) {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ} [الحشر: 2] إلى قوله {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2] وأما قص أخبار الأولين بعد ذكر البراهين المنطقية أو قبلها أو أثناءها فهو في القرآن كثير جدا مجملا تارة ومفصلا أخرى، على حسب ما تقتضيه مقامات الخطاب، فانظر في سورة الأعراف كيف أقام البرهان على وحدانيته وكمال قدرته في قوله: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأعراف: 54] الآيات إلى قوله: {كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: 58] ثم أتبع ذلك بسننه الجزئية التي شوهدت وشاع خبرها عند أهل العلم من أهل الكتاب وكثير من العرب فقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [الأعراف: 59] القصة إلى آخرها {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [هود: 50] {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [هود: 61] إلى آخره {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} [الأعراف: 80] الآيات {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف: 85] إلى أن قال {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا} [الأعراف: 101] مشيرا إلى أن القرى معروفة لهم، ثم ساق قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل وما فيها من العبر. وقال في