مرسل من إطلاق السبب على المسبب، وقوله تعالى {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: 56] ظاهر أن معناه في حقه وما يتعلق به من أمره ونهيه، وقوله تعالى في آدم {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] هو كناية عن أنه فاز من عنايته تعالى بما لم يفز به ملك ولا جن. وقوله في آية أخرى في حق آدم {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] فقد سلك فيه طريق التصريح دون الكناية، ولكل من التصريح والكناية في الجملتين الشريفتين مقام اقتضاه يعرفه من أنعم التأمل. وقال تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} [الأنبياء: 91] فإسناد النفخ إليه تعالى مجازي فإن المباشر للنفخ جبريل عليه السلام وهو المراد بالروح المضاف إليه تعالى للتشريف بدليل قوله تعالى {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17] الآيات كما أن قوله تعالى: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا} [مريم: 21] فسر قوله تعالى في عيسى (وروح منه) فإن من معاني الروح ــ بضم الراء ــ الرحمة. وما أحسن ما أنشد أبو بكر بن العربي في هؤلاء المجسمة المشبهة: ــ
قالوا الظواهر أصل لا يجوز لنا ... عنها العدول إلى رأي ولا نظر
بينوا عن الخلق لستم منهم أبدا ... ما للأنام ومعلوف من البقر
والمحققون من أكابر السلف يسلكون هذا المنهج حيث لا يكون عن التأويل معدل، ولا لبقاء اللفظ على ظاهره محل. ودونك كلام ترجمان السلف وإمام المفسرين أبي جعفر في الاستواء على العرش الذي دندن حوله أدعياء السلف وأغبياء الخلف، وتشبثوا به في القول بالجهة والمكان في حق الله تعالى الله عما قالوا. ولا أظن منصفا ينازع في سلفية ابن جرير رضي الله عنه. قال في تفسير قوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29] في سورة البقرة وأحال عليه بعد ذلك تفسير الاستواء على العرش حيث ذكر في القرآن ما لفظه (( الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه: منها انتهاء شباب الرجل وقوته فيقال إذا صار كذلك: قد استوى الرجل. ومنها استقامة ما كان فيه أود من الأمور