أقبل ابن سعدي ـ كما مر معنا ـ على العلم إقبالًا منقطع النظير، وصرف وقته كله للعلم، فظهرت عليه أمارات النبوغ، وحصَّل في زمن قصير ما لم يحصِّله غيره في زمن طويل، ولذا ذاع صيته، واشتهر أمره، وعظم قدره، وعلا ذكره، فاجتمع إليه الطلبة من بلده وغيرها، وأخذوا ينهلون من المعين الصافي والينبوع العذب والنهر المتدفق، وهو يعاملهم معاملة حسنة كريمة، ويتتبع أحوالهم، ويأخذ بأيديهم، ويجمع التربية والتوجيه.
وقد حدَّث عنه من درسوا عليه بأنه كان:
ـ يستشير طلابه في الكتاب الذي يقرؤون فيه.
ـ يعقد المناظرات بينهم لكي يدفعهم للمنافسة والمثابرة في التحصيل.
ـ يخصص لهم المكافآت تشجيعًا لهم وإعانة لهم على ظروف الحياة القاسية.
ـ يطرح المسائل على طلابه، ويستظهر منهم الإجابة، وأحيانًا يجيب هو، لكنه يتعمد تغليظ نفسه؛ ليتبين المدرك منهم والمستوعب، ثم يصحح لهم، وفي هذا الأسلوب تثبيت للمعلومات في أذهان الطلاب.
ـ عند ذكر المسائل الخلافيَّة يصوِّرها للطلاب بين اثنين منهم، ثم يستدل لكل فريق ويناقش، ثم بعد عرضها ـ بكل أمانة ونزاهة ـ يتوسط حكمًا بينهما، ويرجح ما يعضده الدليل.
ـ كثيرًا ما يطلب من تلاميذه إعادة ما فهموه من الدروس؛ ليثبت المعلومات في أذهانهم.
ـ في اليوم اللاحق يناقشهم عمَّا أخذوه في اليوم السابق، وهذا يدفعهم للمذاكرة والمراجعة. وبهذا الأسلوب الفريد في عصره كسب الطلاب، وتوافدوا لطلب العلم عليه، وتخرَّج على يديه أعداد غفيرة كانوا ولا يزال بعضهم له الأثر الكبير على الحركة العلمية المباركة التي تشهدها بلادنا الحبيبة [1] .
(1) "روضة الناظرين" (1/ 223) ،"سيرة ابن سعدي" (ص12) .