ثم ذكر رحمه الله أوجهًا كثيرة، نازل فيها جميع طوائف الملحدين، وتحدَّاهم، وأبطل أصولهم، وفنَّد مآخذهم، وهدم قواعدهم، وزلزل بنيانهم، وبين مخالفتهم للعقل والفطرة والحكمة كما خالفوا جميع الأديان الصحيحة. وبهذا الأسلوب الفريد يصل القارئ إلى القناعة التامَّة، فمن ينفع معه أسلوب؛ قد لا يجدي معه آخر، ولذا؛ لا بدَّ من مراعاة الظروف والأحوال والأشخاص، واختيار ما يناسب عند إقناع الآخرين، وهذا ما اتبعه ابن سعدي رحمه الله مع مخالفيه؛ على اختلاف مشاربهم، وتنوع ثقافاتهم، وقربهم وبعدهم من الحق.
المبحث الخامس
أثره في الفقه
كان ابن سعدي رحمه الله مدرسة في الفقه؛ فقد كان ذا معرفة تامَّة فيه أصوله وفروعه، وقد مَّر بأطوار في حياته، حيث كان أول أمره متقيدًا بالمذهب الحنبلي تبعًا لمشايخه، وقد حفظ بعض المتون في ذلك، وصنف في الفقه نظمًا على بحر الرجز، وشرحه شرحًا مختصرًا، وقد تقيد فيه بالمذهب.
وبعد أن تقدَّمت به السن، وارتقى في طلب العلم؛ اعتنى بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وحصل له بذلك خير كثير وانتفاع عظيم، وأصبح يبحث عن الدليل، ويرجح ما يراه راجحًا؛ بغضَّ النظر عن رجحانه عند الأصحاب، لكنه فيما لم يظهر له فيه دليل راجح يتبع الإمام أحمد. ولذا؛ خلف ثروة عظيمة من كتب الفقه التي تجمع بين التقيُّد بالمذهب وما رجحه الدليل، وهذا ما ينبغي للعالم سلوكه، أما أن يتعصب طالب العلم للمذهب، ولو كان الدليل خلافه؛ فهذا مسلك غير حميد، أو أن يتعجَّل بالترجيح دون اطلاع على آراء الأئمة والعلماء؛ فهذا هو الآخر مسلك غير حميد. وبهذا تعلم إثراء ابن سعدي للفقه الحنبلي، بل وللفقه المبني على الدليل والمؤيَّد بالتعليل. ومن أبرز كتب الشيخ ابن سعدي التي كان لها كبير الأثر على الفقه في الوقت الحاضر:
1ـ (المختارات الجلية من المسائل الفقهية) :