لقد كان للشيخ ابن سعدي اليد الطولى في علم التفسير، حيث ألف تفسيره العظيم"تيسير الكريم الرحمن"، وكان يمليه إملاء من غير أن يكون معه وقتئذ كتاب في التفسير ولا غيره، بل كان يقرأ مع طلابه القرآن الكريم، وفي أثناء القراءة؛ يفسره لهم، ويبين لهم معانيه، ووجوه إعجازه، ويستنبط لهم منه فرائد الفوائد، حتى إن من يستمع إليه؛ يودُّ لو أنه استمر في تفسير الآيات، وذلك بفضل ما آتاه الله؛ من فصاحة لسان، وجزالة لفظ، وقوة بيان، وتوسُّع في عرض القصص، ودقَّة في استنباط الحكم التشريعية التي تخاطب العقل وتلجمه بلجام الإقناع السريع.
كما كانت له مهارة فائقة في التأليف في ميدان الفقه، حيث طرق أكثر من مسلك في إقناع القارئ وإيصال المعلومات إليه؛ فتارة عن طريق السؤال والجواب، وتارة عن طريق المناظرة، وثالثة عن طريق الاختصار، ورابعة عن طريق ذكر الحكم بدليله، وخامسة عن طريق عرض المسألة الواحدة في رسالة مستقلة، ولذا أشبع الموضوعات التي تطرق لها، واستطاع أن يصل على قلب وعقل قارئه بأيسر السبل وأسهل الطرق. وقد كانت الكتابة سهلة عليه، حيث كان في المجلس الواحد يملي رسالة مستقلة. كما وردت إليه الأسئلة العديدة، فأجاب عليها بالأجوبة السديدة، وكان حاضر الجواب، سريع الكتابة، بديع التحرر، سديد البحث. وقد بارك الله في أوقاته، فالَّف وخطب ونصح وساهم في حلِّ مشاكل الناس، وكان لا ينقطع عن زيارتهم في بيوتهم، ومشاركتهم في مجتمعاتهم، فأعطى كل ذي حق حقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء [1] .
وللشيخ ابن سعدي باع طويل في الشعر، إذ سخر قريحته لخدمة العلم، فألف المتون الطويلة، وتولى شرحها بنفسه؛ ليقِّربها للقارئ، فخرجت بصورة متكاملة؛ ترضي مشارب الناس وأذواقهم.
(1) "علماء نجد" (2/ 424) .