فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 153

وقد وَهِمَ مَن جَعَلَه عن مالك ابن بحينة، وإنما الصواب في هذا الإسناد قول مَن قال: عبدُ الله بنُ مالكٍ ابنُ بحينة. وعبد الله هذا يُنسَب إلى أبيه وأمه معًا، فإنَّ بحينة هو اسم أمه لا جدِّه كما قد يُظَنُّ، فهي امرأةُ مالكٍ وأُمُّ عبدِ الله ( [1] ) . قال ابن المديني ( [2] ) : «عبد الله ابن بحينة هو عبد الله بن مالك ابن بحينة. مالكٌ أبوه، وبحينة أمه» . اهـ وقال البخاري في ترجمة عبد الله ابن بحينة ( [3] ) : «وقال بعضهم: مالك ابن بحينة. والأول أصح» . اهـ وقال النسائي في حديثٍ آخر جاء في إسناده مالك ابن بحينة ( [4] ) : «هذا خطأ، والصواب عبد الله بن مالكٍ ابنُ بحينة» . اهـ ومِن أمثلة الرواة الذين يُنسبون إلى آبائهم وأمهاتهم معًا: محمد بن علي ابن الحنفية، وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية ( [5] ) .

وهذا مِن الأحاديث التي أوضح مسلم علَّتها، فإنه قال بعد إخراجه حديثَ القعنبي: «وقوله (عن أبيه) في هذا الحديث خطأ» . اهـ وقد تصرَّف مسلم في إسناده، فإنه لمَّا ساقَه عن القعنبي حَذَفَ مِنه قولَه «عن أبيه» ، ثم نبَّه على خطئه فيه بعد ذلك. وهذا الحديث في نسخة ابن خير مطابقٌ لِمَا في رواية ابن سفيان، ففيه ذلك الحذف في الإسناد، والتنبيهُ على الخطأ عقب الحديث. وسيأتي بيانُ الوجه الذي مِن أجله استَدرك الدارقطنيُّ على مسلم مع كونه أبرز علَّته.

وقد جَعَلَ ابنُ معين الخطأَ في هذا الحديث مِن إبراهيم بن سعد، فقال ( [6] ) : «يُروى عن عبد الله بن مالك ابن بحينة، وهو الذي رَأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم. وإنما يَروِي (عن عبد الله بن مالك ابن بحينة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم) إبراهيمُ بن سعد، وهذا خطأ. ليس يَروي أبوه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا، إنما هو الذي رَأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم. قال يحيى: بحينة هى أُمُّه» . اهـ وكذا قال يعقوب الفسوي ( [7] ) : «والصحيح هذا، وإبراهيم أخطأ» . اهـ فكأنَّ الاختلاف على إبراهيم مِنه، والله أعلم.

وقد قال المزي في ترجمة حفص بن عاصم إنه رَوَى عن ( [8] ) : «عبد الله بن مالك ابن بحينة. وقيل: مالك ابن بحينة، وهو وهم» . اهـ فتعقَّبه مغلطاي فقال ( [9] ) : «مِثل هذا الموضع لا يُدفع بالصدر ولو قاله البخاري، إلاَّ أنْ يبيِّن الدلالةَ على صحة قوله. وذلك أنَّ هذا الذي قال فيه (هو وهم) هو قول شعبة بن الحجاج، وشعبة شعبة! رواه عن سعد بن إبراهيم الزهري، عن حفص: سمعتُ رجلًا مِن الأزد يقال له مالك ابن بحينة. قال البخاري ورواه في صحيحه: عن عبد الرحمن: حدثنا بهز بن أسد: حدثنا شعبة. ثم قال: وتابَعَه على ذلك حمادُ بن سلمة، فرواه عن سعدٍ كروايته. قال: وتابَعَه غندر ومعاذ، عن شعبة في مالك ( [10] ) . فانظر أبا الحجاج مع مَن تتكلَّم ( [11] ) ولِمَن تُوَهِّم ( [12] ) ! وانظر إلى مَن صَوَّبْتَ قولَه أين يقع مِمَّن وَهَّمْتَه! وهو عبد العزيز بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه. وتابَعَ إبراهيمَ ابنُ إسحاق. وقد تابَعَ حفصًا أيضا عبدُ ربه بن سعيد عند ( [13] ) النسائي، رواه عن محمد بن يحيى بن حبان، عن مالك ابن بحينة. ورواه أيضًا في كتاب السنن ( [14] ) ، عن قتيبة: أنا أبو عوانة، عن سعد بن إبراهيم، عن حفص، عن مالك» . اهـ

• قلتُ: رحمك الله أبا عبد الله، فقد شَطَطْتَ في انتقادك فما أَصَبْتَ. أَخَذَتْكَ الحماسةُ فأَغْلَظْتَ على أبي الحجاج، وليس المخطئ إلاَّ أنت ليت شعري! ألستَ أنت الذي نقلتَ في ترجمة عبد الله بن مالك ابن بحينة قولَ النسائي ( [15] ) : «قول مَن قال (مالك ابن بحينة) خطأ، والصواب: عبد الله بن مالك» . اهـ وهذا معلومٌ مِن أقوال الأئمة قديمًا، ونصَّ عليه ابنُ سعد الذي نقلتَ مِنه أيضًا. وكيف دَخَلَ عليك ما رواه عبد ربه بن سعيد فجعلته متابِعًا لحفص؟ فهلاَّ رجعتَ إلى ذلك الموضع نفسه مِن سنن النسائي الذي أَحَلْتَ عليه فتجد قوله عقب حديث عبد ربه ( [16] ) : «هذا خطأ، والصواب: عبد الله بن مالك ابن بحينة» . اهـ وهو القول الذي نَقَلْتَه في ترجمة عبد الله!

ثم هلاَّ رجعتَ إلى تاريخ البخاري، الذي اعتمدتَ على إخراجه لحديث شعبة في صحيحه، فتجد توهيمَه لِمَن قال: «مالك ابن بحينة» وأنَّ الصواب هو قول مَن قال: «عبد الله بن مالك ابن بحينة» . فإنه في صحيحه قد صَدَّر البابَ بحديث إبراهيم بن سعد، وأعقبه بحديث شعبة ليشير إلى خطئه، وهو قد صرَّح به في تاريخه. وشعبة أمير المؤمنين في الحديث كان يُخْطِئ في الرجال كما تعلم، وحماد بن سلمة في غيرِ ثابتٍ فيه مقال، وأبو عوانة إنما قال في حديثه: «ابن بحينة» لَمْ يُسَمِّه. فلعلَّك كتبتَ هذا الذي كتبتَه قبل أن تقف على حقيقة الأمر، وإلاَّ فقد أصابَ المزيُّ وأخطأتَ فيما تعقَّبْتَه فيه.

[1] - طبقات ابن سعد ط الخانجي 5/ 259.

[2] - سنن الترمذي 391.

[3] - التاريخ الكبير للبخاري 5/ 11.

[4] - السنن الكبرى للنسائي 600.

[5] - للمزيد: المحدث الفاصل للرامهرمزي ص268 والجامع للخطيب البغدادي 2/ 78 وتهذيب الأسماء واللغات للنووي 1/ 89.

[6] - تاريخ ابن معين رواية الدوري 630.

[7] - المعرفة والتاريخ للفسوي 2/ 214.

[8] - تهذيب الكمال للمزي 7/ 17.

[9] - التراجم الساقطة مِن إكمال التهذيب لمغلطاي ص230 فما بعد. وهو بحاجةٍ إلى تحقيقٍ حقيقي!

[10] - في المطبوع: «في تلك» ، وهو تحريف. والتصويب مِن صحيح البخاري.

[11] - في المطبوع: «يتكلم» للغائب. ولعلَّ الصواب ما أثبته، لأنَّ مغلطاي يخاطب المزي.

[12] - في المطبوع: «يوهم» للغائب.

[13] - في المطبوع: «عن» ، وهو تحريف.

[14] - في المطبوع: «التصبر» . وعلَّق عليها المحقق في الهامش بقوله: «كذا. وكأنها: (التعبير) أو (التمييز) » . اهـ قلت: الكلمة محرفة، والصواب ما أثبته، والحديث أخرجه النسائي في السنن.

[15] - إكمال التهذيب لمغلطاي 8/ 152.

[16] - السنن الكبرى للنسائي 600.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت