فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 153

62 -قوله (قط) : «وَقَدْ تَرَكَ مُسْلِمٌ مِنَ الصَّحِيحِ عَلَى مَا أَخْرَجَ مِنْ رَسْمِهِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً» . اهـ

• قلتُ: أمَّا أنَّ مسلمًا قد تَرَكَ أحاديثَ صحيحةً ولَمْ يُدخِلها في كتابه فهذا ما رُوي عنه هو نفسِه، فقد نَقَلَ ابنُ سفيان في روايته للصحيح أنَّ مسلمًا قال ( [1] ) : «ليس كلُّ شيءٍ عندي صحيحٍ وضعتُه ها هنا، إنما وضعتُ ها هنا ما أَجمعوا عليه» . اهـ قال أبو العباس القرطبي ( [2] ) : «وقول مسلم:"ليس كلُّ الصحيحِ وَضعتُ هنا، وإنما وَضعتُ ما أجمعوا عليه"، يعني به - والله أعلم - مَن لَقِيَه مِن أهل النقد والعلم بالحديث» . اهـ وقد استُشكِل قولُ مسلم هذا، لأنه كيف يكون ما أَخرجه في كتابه هو المُجْمَعَ عليه، بينما نجد بعضَ أحاديثه قد اختَلَفَ الأئمةُ فيها وأعلَّها بعضُهم؟

قال ابن الصلاح ( [3] ) : «وهذا مشكلٌ جدًّا، فإنه قد وَضَعَ فيه أحاديثَ قد اختَلفوا في صحتها، لكونها مِن حديثِ مَن ذكرناه ومَن لَمْ نذكره مِمَّن اختَلفوا في صحة حديثه ولَمْ يُجمعوا عليه. وقد أَجَبْتُ عليه بجوابين. أحدهما: ما ذكرتُه في كتاب (معرفة علوم الحديث) ( [4] ) وهو أنه أراد بهذا الكلام - والله أعلم - أنه لَمْ يَضَعْ في كتابه إلاَّ الأحاديث التي وُجد عنده فيها شرائطُ المجمع عليه، وإنْ لَمْ يَظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم. والثاني: أنه أراد أنه ما وَضَعَ فيه ما اختَلفت الثقاتُ فيه في نفس الحديث متنًا أو إسنادًا، ولَمْ يُرِدْ ما كان اختلافهم إنما هو في توثيقِ بعضِ رواته، وهذا هو الظاهر مِن كلامه. فإنه ذَكَرَ ذلك لمَّا سئل عن حديث أبي هريرة {وإذا قرأ فأنصتوا} : هل هو صحيح؟ فقال: هو عندي صحيح. فقيل له: لِمَ لَمْ تضعه ها هنا؟ فأجاب بالكلام المذكور. ومع هذا قد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في إسنادها أو متنها عن هذا الشرط لصحتها عنده. وفي ذلك ذهولٌ مِنه - رحمنا الله وإياه - عن هذا الشرط، أو سبب آخر. وقد استُدركَت عليه وعُلِّلَت» . اهـ

أمَّا جوابه الأول، فهو قريبٌ مِمَّا أذهب إليه وسأزيده بيانًا. وأمَّا الجواب الثاني وهو أنَّ مسلمًا قَصَدَ إخراجَ الأحاديثِ التي اتفق الثقاتُ على روايتها ولَمْ يختلفوا في أسانيدها ومتونها: ففي كلام ابنِ الصلاح نفسِه ما يُبطل هذا القول! فقد أَقَرَّ في آخر الجواب أنَّ كتابَ مسلم قد اشتمل على أحاديث فيها اختلافٌ في الأسانيد والمتون. فعُلِمَ أنَّ هذا المعنى ليس هو الذي قَصَدَه مسلم، إذ صنيعُه في صحيحه يَرُدُّه.

[1] - صحيح مسلم 404.

[2] - المفهم للقرطبي 1/ 100.

[3] - صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح ص74 فما بعد.

[4] - مقدمة ابن الصلاح ت عتر ص20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت