فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 153

والذي أراه هو أنَّ كلامَ مسلمٍ صريحٌ في الدلالة على مراده: وهو أنَّ هنالك أحاديثَ كثيرةً عنده قد استوفت شروط الصحة، ولكنه إنما اقتصر في كتابه هذا على الأحاديث التي اجتمع الأئمة على صحتها. وكان ذلك هو غرضه الأول مِن تصنيفه هذا، وهو جَمْعُ الحديث الصحيح الذي لا يُرتاب في صحته وتأليفُه في كتابٍ واحد. ولا يعني هذا أنَّ الأحاديث التي تَرَكَها ضعيفةٌ، بل فيها أحاديث صحيحةٌ عنده ولكنها أدنى رتبةً مِن الأحاديث التي أخرجها. يعضد هذا ما ذَكَرَه البرذعي فيما بلغه عن مسلم أنه قال ( [1] ) : «إنما أَخرجتُ هذا الكتاب وقلتُ هو صحاحٌ، ولَمْ أَقُلْ إنَّ ما لَمْ أُخرجه مِن الحديث في هذا الكتاب ضعيفٌ. ولكني إنما أَخرجتُ هذا مِن الحديث الصحيح ليكون مجموعًا عندي وعند مَن يكتبه عني، فلا يُرتاب في صحتها. ولَمْ أَقُلْ إنَّ ما سواه ضعيف» . اهـ فما نَقَلَه البرذعيُّ يَشهد لِمَا نَقَلَه ابنُ سفيان.

ويبقى السؤال: إن كان مسلمٌ يدعي الإجماع على صحة الأحاديث التي أخرجها في صحيحه، فكيف يستقيم له ذلك وفي صحيحه أحاديث قد أَعَلَّها بعضُ الأئمة قَبْلَه؟ وللجواب على هذا الإشكال ينبغي قَبْلُ أن نستبين مفهوم الإجماع المذكور عند مسلم. فأقول: إنَّ الإجماع الذي استعمله أبو الحسين هو الإجماع السكوتي وعدم العلم بالمخالِف. دلَّنا على ذلك أنه قال في مقدمة صحيحه عن الحديث المعنعن ( [2] ) : «القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا: أنَّ كل رجلٍ ثقةٍ رَوَى عن مِثْلِه حديثًا، وجائزٌ ممكنٌ له لقاؤه والسماع منه لكونهما جميعًا كانا في عصرٍ واحد، وإنْ لَمْ يَأْتِ في خبرٍ قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلامٍ: فالرواية ثابتةٌ والحجة بها لازمة» . ثم قال ( [3] ) : «وما عَلِمْنا أحدًا مِن أئمة السلف مِمَّن يَستعمل الأخبارَ ويتفقَّد صحة الأسانيد وسقمها ... فتَّشوا عن موضع السماع في الأسانيد، كما ادعاه الذي وَصَفْنا قولَه مِن قَبل ... فمَن ابتغى ذلك مِن غيرِ مدلِّسٍ على الوجه الذي زَعم مَن حكينا قوله، فما سَمِعْنا ذلك عن أحدٍ مِمَّن سَمَّيْنا ولَمْ نُسَمِّ مِن الأئمة» . اهـ فقوله: «القول الشائع المتفق عليه» وقوله: «وما عَلِمْنا أحدًا مِن أئمة السلف فتَّشوا» صريحٌ في أنَّ ما شاع لدى السلف ولَمْ يَعلم مسلمٌ فيه خلافًا فهو إجماعٌ عنده.

وعلى هذا فالذي قَصَدَه بالأحاديث المجمع عليها أنه قد رواها ثقاتٌ عن ثقاتٍ ولَمْ يَبْلُغه عن أحدٍ مِن السلف إعلالُها ولا وَقَفَ هو على علَّةٍ فيها، فصارت عنده بمثابة المجمع عليه الذي لا يُرتاب في صحته. فقد اعتَبَرَ مرورَ هذه الأحاديث على أئمة السلف مِن غير أن يقدحوا فيها بحسب عِلْمِه، مع استيفائها لشروط الصحة، هو اتفاقًا على كونها صحيحةً. وهذا الصنف مِن الأحاديث هو الذي أخرجه في كتابه. وأمَّا الأحاديث التي بَلَغَه عن أحدهم إعلالُها، فإنه لَمْ يُخرجها حتى وإن كان يَرَى صحَّتها. والدليل على ذلك هو نفس حديث أبي هريرة الذي سئل عنه وأجاب بكلامه الذي أوردناه آنفًا: إذ السبب في عدم إخراجه هذا الحديث في صحيحه هو أنَّ الأئمة لَمْ يُجمعوا عليه، فهو وإنْ كان شيخُه أحمد بن حنبل ( [4] ) قد صحَّحه، فإنَّ شيخَه يحيى بن معين ( [5] ) قد أَعَلَّه. فهذا هو السياق الذي جاء فيه كلام مسلم، وهو ظاهرٌ في إرادةِ ما فَهِمْناه.

إذا تبيَّن ذلك، فإنَّ الجواب عن الأحاديث التي أخرجها مسلم وأعلَّها الأئمةُ قَبْلَه هو عندي مِن وجهين. أحدهما: أن تكون هذه الأحاديثُ مِمَّا لَمْ يَبْلُغه كلامُ أحدٍ مِن الأئمة في إعلالها، فأخرجها معتقدًا الاتفاقَ على صحتها. والثاني: أن تكون مِن الأحاديث التي بَلَغَه فيها قولُ أحدِ المعاصرين له، فأخرجها ولَمْ يأبه لقوله. وكلاهما عندي متحقَّقٌ في زيادة «وإذا قرأ فأنصتوا» التي سئل عنها مسلم، وقد جاءت في حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة. فأمَّا حديث أبي موسى، فلا يُعلَم أحدٌ أعلَّ هذه الزيادةَ فيه قبل البخاري، بل قد جاء تصحيحُها عن الإمام أحمد. ولذلك أخرج مسلم حديثَ أبي موسى مِن هذا الوجه ولَمْ يعتدَّ بقولِ مَن أَعَلَّه. وأمَّا حديث أبي هريرة، فقد اختَلف فيه أحمد وابن معين وهما مِن شيوخه، ولذلك لَمْ يُخرجه مسلم في صحيحه مع ترجيحِه لصحة الحديث.

يبقى هنا ما قيل عن أنه عَرَضَ كتابَه على أبي زرعة الرازي وأنه تَرَكَ مِنه ما أشار أبو زرعة إلى علَّته، فهذا مِمَّا يؤكِّد أيضًا على أنَّ الأحاديث التي استبعدها مِن صحيحه هي التي بَلَغَه إعلالُها عن أحد الأئمة. وسنأتي على هذه القصة ونُفَصِّل القولَ فيها عند كلامنا على انتقاد أبي زرعة لبعض الرواة الذين أخرج لهم مسلم، وذلك في الفصل التالي إن شاء الله تعالى.

[1] - سؤالات البرذعي لأبي زرعة ط الفاروق ص377.

[2] - صحيح مسلم 1/ 29.

[3] - السابق 1/ 32.

[4] - التمهيد لابن عبد البر 11/ 34.

[5] - تاريخ ابن معين رواية الدوري 2236.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت