فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 153

6 -قوله (مس) : «وَإِنَّمَا أَرَادَ مُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِ حَدِيثِ التَّيْمِيِّ لِيُبَيِّنَ الْخِلَافَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى قَتَادَةَ، لَا أَنَّهُ يُثْبِتُهُ» . اهـ

• قلتُ: دفاع أبي مسعود هنا يَرُدُّه قولُ مسلمٍ نفسِه. فقد قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان راوي صحيح مسلم عَقِبَ هذا الحديث: «قال أبو بكر ابنُ أختِ أبي النضر ( [1] ) في هذا الحديث، فقال مسلم: تريد أَحْفَظَ مِن سليمان؟» . اهـ المقصود مِنه. فهذا صريحٌ في أنَّ مسلمًا أخرج حديثَ التيمي مصحِّحًا له، لا لِيُبَيِّن الخلافَ فيه كما زعم أبو مسعود. كذا قال القاضي عياض وأبو العباس القرطبي والنووي.

قال القاضي عياض ( [2] ) : «وقد ذَكَرَ ابنُ سفيان عن مسلم في رواية الجلودي بإثر هذا الحديث ما يدلُّ على تصحيح مسلم لهذه الزيادة، مِن قوله:"وقال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث"أي طَعَنَ فيه، ورَدِّ مسلمٍ عليه وقولِه:"تريد أحفظ مِن سليمان؟"وذِكْره صحَّتها في حديث أبي هريرة» . اهـ

وقال أبو العباس القرطبي ( [3] ) : «وقد أشار مسلم في كتابه إلى تصحيح هذه الزيادة، وهي ثابتةٌ في الأصل في رواية الجلودي عن إبراهيم بن سفيان. وقد تقدَّم في أول كتابنا قولُ إبراهيم بن سفيان لمسلم ( [4] ) : لِمَ لَمْ تخرج في كتابك {وإذا قرأ فأنصتوا} أليست بصحيحة؟ فقال:"ليس كلُّ الصحيح خَرَّجْتُ هنا، وإنما خرَّجتُ ما أجمعوا عليه". فهذا تصريحٌ بصحتها، إلاَّ أنها ليست عنده مِمَّا أجمعوا على صحته» . اهـ

وقال النووي ( [5] ) : «وقوله:"قال أبو بكر في هذا الحديث"يعني طَعَنَ فيه وقَدَحَ في صحته."فقال له مسلم: أتريد أَحْفَظَ مِن سليمان؟"يعني أنَّ سليمانَ كاملُ الحفظِ والضبطِ، فلا تَضُرُّ مخالَفَةُ غَيْرِه» . اهـ

• قلتُ: فتبيَّن بهذا أنَّ الدارقطنيَّ ما انتقد مسلمًا في هذا الحديث إلاَّ لأنه أخرجه في كتابه مصحِّحًا له، وصريحُ قولِ مسلمٍ في هذا قاضٍ على تفسير أبي مسعود. وفي هذا أيضًا رَدٌّ على الدكتور المليباري في احتجاجه بقولِ أبي مسعود هنا على كَون مسلم أخرج حديثَ التيمي لإعلاله لا لتصحيحه. وقد حَمَلَ على النووي لَمَّا نَقَلَ كلامَه المذكور آنفًا وطوَّل في تخطئته، وتعسَّف في تأويل كلام مسلم على هذه الزيادة.

قال المليباري في رَدِّه على النووي ( [6] ) : «لماذا فسَّره الإمام النووي على ذلك الوجه الذي يَجعل الإمام مسلمًا يُصحِّح تلك الزيادة ويتجه نحو قبول زيادة الثقة مطلقًا؟ وهل يدلُّ السياق على ذلك؟ يبدو أنَّ الإمام النووي مال إلى هذا التفسير لدافعٍ مذهبي، حيث كان ينتصر لقبول زيادة الثقة ويَجعل الإمام مسلمًا مِن ضمن القائلين به. ولذا قام بتأويل ذلك الحوار على الشكل الذي يجعل نصوصه فيما يخصُّ زيادة الثقة منسجمةً لهذا المذهب. وإن كان النووي قد فَهِمَ مِن صنيع الإمام مسلم وطبيعة حواره مع أبي بكر ابن أخت أبي النضر أنَّ زيادة سليمان التيمي صحيحةٌ عنده وأنه أراد الدفاع عن صحتها وثبوتها مِن خلال إجابته على سؤال أبي بكر، فإنَّ الإمام أبا مسعود الدمشقي أحد نقاد الحديث الذين تتبَّعوا أحاديث الصحيحين يرى عكس ذلك» . اهـ

• قلتُ: وهذا الجواب بادي الرأي يكشف عن أنَّ كلامَ مسلمٍ هذا لَمْ يَقِف الشيخُ في تفسيره إلاَّ على قول النووي، فَظَنَّ أنه مخترع هذا القول وخَصَّه بِرَدِّه الطويل. وقد تبيَّن أنَّ النووي مسبوقٌ إليه، وأنَّ القاضي عياض هو الذي أفصح عن المقصود مِنه. هذا مع أنَّ الشيخ يحتجُّ بقول عياض في أنَّ مسلمًا يَذكر في صحيحه أحاديث لِيُبَيِّنَ عِلَّتَها، وهو القول الذي ذكره القاضي في مقدمة شرحه ( [7] ) . وقولُ عياض في تصحيح مسلم لهذه الزيادة مذكورٌ في موضعه مِن ذلك الشرحِ عَيْنِه وقد أقرَّ به ولَمْ يتأوَّله، ولَمْ يَقِف الشيخُ عليه.

ثم شَرَعَ في تفسير كلام مسلم كما يراه، فقال ( [8] ) : «يمكن لنا أن نفسِّر هذا الحوار على وجهٍ صحيحٍ ينسجم مع مذهبه في مسألة زيادة الثقة ومنهجه في الصحيح، ونقول: قال أبو بكر:"في هذا الحديث؟"يَظهر معناه مِن المناسبة العلمية التي تَرَكَ الإمامُ مسلم تلميذَه أبا بكر فيها، وهي مناسبةُ بيانِ الإشكال فيما زاده سليمان التيمي وتفرَّد به مخالفًا لجماعةٍ مِن الثقات، ومِنهم سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي وهما مِن أحفظهم وأثبتهم لأحاديث قتادة ... فقال مخاطبًا للإمام مسلم: في هذا الحديث؟ يعني ما الأمر إذًا في هذا الحديث؟ وهل تضرُّ هذه المخالفة التي بيَّنْتَهَا في صحته؟ فأجاب الإمام مسلم وقال:"تريد أحفظ مِن سليمان". يعني عليك أن تبحث أحفظ مِن سليمان، فإنه ليس مِن أَتْقَنِ الناس ولا أحفظهم خاصةً في حديث قتادة، بل هو مضطربٌ في حديثه عنه. فكيف يصحُّ الاعتماد على مِثله في الوقت الذي يخالفه كبار الثقات مِن أصحاب قتادة؟» . اهـ

• قلتُ: ومَن نَظَرَ في قول مسلم وتأمَّل ما قدَّمنا، يجد هذا التأويل بعيدًا ومتكلَّفًا. والله أعلم.

عَنْ: إِسْحَاق بن راهَوَيْه، وأبي سَعِيد الأشج، وَإِبْرَاهِيم بن بشار الخُرَاسَانِيّ الصوفي، وغيرهم.

وَعَنْهُ: جَعْفَر بن محمد بن سوار، وزنجويه اللباد، وعبد الله بن المبارك الشعيري

وهو ثقة ثبت.

قال أحمد الأقطش: وقد ترجم له أيضًا ابن عساكر في تاريخه [16/ 378] ونَقَلَ كلامَ الحاكمِ فيه مِن تاريخ نيسابور، وهو الذي وثَّقه.

[1] - إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض 2/ 300.

[2] - المفهم لِمَا أشكل مِن تلخيص كتاب مسلم للقرطبي 2/ 39.

[3] - الذي سأل مسلمًا هو أبو بكر ابن أخت أبي النضر لا ابن سفيان.

[4] - شرح صحيح مسلم للنووي 4/ 122.

[5] - عبقرية الإمام مسلم للمليباري ص76.

[6] - إكمال المعلم بفوائد مسلم 1/ 87.

[7] - عبقرية الإمام مسلم ص77 فما بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت