فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 153

8 -قوله (مس) : «حَدِيثُ هَمَّامٍ حَسَنٌ. وَعِنْدِي أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لِلْبُخَارِيِّ وَلَا لِمُسْلِمٍ أَيْضًا، وَلَوْ وَقَعَ لَهُمَا لَحَكَمَا بِقَوْلِهِ» . اهـ

• قلتُ: البخاري رَجَّح حديث ابن أبي عروبة الذي فيه ذِكْر الاستسعاء لأنه رأى أنَّ مَن رَوى الحديث ولَمْ يَذكره فيه فإنما اختصره، فيُحكم حينئذٍ لِمَن أتى بالحديث تامًّا. فقال عَقِبَ حديث ابن أبي عروبة: «واختصره شعبة» . فَلَمْ يَحكم لرواية شعبة لكونها مختصرة. على أنَّ في هذا التعليل نظرًا: فإنَّ حديث شعبة هذا قد رواه عنه: غندر والنضر بن شميل ( [1] ) ويزيد بن هارون ( [2] ) ومعاذ بن معاذ ( [3] ) وأبو داود الطيالسي وروح بن عبادة ( [4] ) . ولفظ غندر والنضر ويزيد سواء، أخرجه مسلم عن غندر ولفظُه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المملوك بين الرجلين فيعتق أحدهما، قال: «يضمن» . وهو مختصرٌ كما قال البخاري. لكن أخرجه مسلم أيضًا مِن حديث معاذ، عن شعبة ولفظُه: «مَن أعتق شقيصًا مِن مملوكٍ، فهو حُرٌّ مِن ماله» . وهكذا رواه الطيالسي، وليس فيه «مِن ماله» . ولفظ روح عن شعبة: «مَن أعتق مملوكًا بينه وبين آخَر، فعليه خلاصه» . ورواية هؤلاء الثلاثة ليست مختصرة. فكأنَّ شعبة كان يرويه تامًّا تارةً وتارةً يختصره، وفي كُلٍّ لَمْ يَذكر السعاية. فتبيَّن أنَّ عدم ذِكْر السعاية في حديث شعبة لا علاقة له باختصار الحديث.

ثم حديث هشام لَمْ يُشِرْ إليه الشيخان، ولفظُه: «مَن أعتق نصيبًا له في مملوكٍ، عتق مِن ماله إن كان له مال» . وهو موافقٌ لرواية شعبة التامة، وليس هو مختصرًا. ولعلَّ البخاري ومسلمًا لَمْ يُعَرِّجا على حديث هشام للاختلاف عليه في إسناده، مع أنَّ مَتْنَهُ حُجَّةٌ دالَّةٌ على أنَّ شعبة لَمْ يتفرَّد بعدم ذِكْر الاستسعاء. فحتَّى لو كان الشيخان لَمْ يَقِفَا على رواية همام، فكان يُغني عنها وقوفهما على رواية هشام. وهو ما اعتمد عليه الشافعي في رَدِّ هذه الزيادة، لأنه جَعَلَ اتفاق شعبة وهشام هنا دليلًا على وهم ابن أبي عروبة.

وأمَّا رواية همام فالظاهر أنها لَمْ تقع لهما كما قال أبو مسعود، بل حتى النسائي أشار إليها دون إسنادٍ فكأنها لَمْ تقع له مسموعةً هو أيضًا. وقد رُوي الحديثُ عن همام مِن غير الاستسعاء، إلاَّ أنَّ أبا عبد الرحمن المقرئ أَثْبَتَ في آخره ذِكْرَ الاستسعاء مِن قول قتادة. والعلماء الذين وقفوا على روايته حكموا لها بالصواب وقدَّموها على رواية غيره، لأنَّ فَصْلَ كلام الراوي عن كلام النبي صلى الله عليه وسلم يدلُّ على أنَّ صاحب هذه الرواية أَتْقَنَ ما لَمْ يُتقنه غيره. وإنما تَرَكَ شعبةُ وهشامٌ والرواةُ عن همامٍ ذِكْرَ الاستسعاء في آخر حديثهم لأنهم إنما رووا المرفوع فحسب وهو المطلوب.

ومِمَّن اعترض على إعلال حديث ابن أبي عروبة: أبو جعفر الطحاوي، فقال بعد إيراده حديثَيْ شعبة وهشام رَدًّا على مُخالِفه ( [5] ) : «قال هذا القائل: فهذا هو أصل هذا الحديث، لا ذِكْر للسعاية فيه. فكان جوابنا له في ذلك: أنَّ الذي في هذين الحديثين ليس بخلافٍ لِمَا في الأحاديث الأُوَل المروية عن قتادة، ولكنه على التقصير مِن شعبة وهشام عن حِفْظ ما قد حفظه سعيد ومَن ذَكَرْناه معه عن قتادة، ولِمَا حفظوه عنه في هذا الحديث. ومَن حفظ شيئًا كان أَوْلَى مِمَّن قَصَّر عنه. وسعيدٌ فَأَوْلَى الناس بقتادة وأحفظهم لحديثه والذي لا يَعْدِلُه فيه أحدٌ سواه قبل اختلاطه، وحديثه الذي أُخِذَ عنه قبل اختلاطه هو ما يُحَدِّث به عنه يزيد بن زريع وأمثاله مِمَّن يحدث عنه، فَهُم الحجة في ذلك» . اهـ فجَعَلَ الطحاويُّ الوهمَ في هذا الحديث مِن شعبة وهشام أنهما لَمْ يَحفظا عن قتادة.

ثم أورد حديث همام ورَدَّ على مخالفه فقال: «قال: ففي هذا الحديث ذِكْر السعاية مِن قول قتادة لا مِن نفس الحديث. فكان جوابنا له في ذلك: أنَّ الذي في هذا الحديث لا يوجب خلافًا لِمَا في الأحاديث التي ذكرناها قبله: لأنَّ الذي في هذا الحديث إنما هو ذِكْر قضاءٍ كان مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم على معتق نصيب له في مملوك بالضمان الذي قضى به عليه فيه. والذي في الأحاديث الأول إنما هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الواجب على المعتق للعبد الذي بينه وبين غيره إن كان موسرًا، والذي يجب على العبد إن كان معسرًا. وهذان معنيان متباينان. وأَوْلَى الأشياء بنا فيما رواه مَن يُرجع إلى روايته بالحَمْل على موافقته بالتصحيح، لا على مضادة ما رواه غيره في ذلك لا على مخالفته إياه فيه. ويكون قتادة قد كان عنده بهذا الإسناد حديثان: أحدهما فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المعنى على ما رواه سعيد ومَن وافقه عليه. والآخر فيه ذِكْر قضاءٍ كان مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك على ما رواه عنه همام. فيكون كل واحدٍ مِنهما في معنى غير المعنى الذي جاء به صاحبه، ويكون الذي حكاه همام عن قتادة مِن السعاية التي ذكرها عنه في حديثه على قولٍ مِن قتادة بذلك، لِأَخْذِه ما قاله مِن ذلك مِن الحديث الآخر الذي حدَّث به عنه سعيد ومَن ذكرناه معه، حتى تتفق الآثار كلها في ذلك وتأتلف ولا يَدفع شيءٌ مِنها شيئًا.

وكيف يجوز أن يدع ما رواه سعيد ويحيى بن صبيح وجرير بن حازم والحجاج بن أرطأة وأبان بن يزيد، عن قتادة في ذلك، مع موافقة معمر بن راشد إياهم عن قتادة في ذلك - وإن كان قد قصَّر في إسناده وأسقط منه رجلًا - ومع موافقة مَن سواه إياهم عليه مع كثرة عددهم، ويصير إلى ما رواه مَن عَدَدُه أقلُّ مِن عددهم؟ وإن كان ما رُوي في ذلك لا يخالف ما رووا، وإنما فيه التقصير عما رووا. ومَن لَمْ يُقَصِّر أَوْلَى بقبول الرواية في ذلك مِمَّن قَصَّر». اهـ

• قلتُ: أمَّا أنَّ حديث همام هو حديث آخر غير هذا الحديث، فبعيدٌ بل ليس بشيءٍ لاتحاد المخرج. وأمَّا أنَّ مَن ذَكَرَ الاستسعاء هم أكثر عددًا، فليست العبرة فقط بعدد الرواة لا سيما إذا كان أكثرهم ليسوا مِن أهل الحِفظ. فإنَّ الأئمة إذا وقع اختلافٌ في حديثٍ مِن الأحاديث، نظروا إلى روايات الحفاظ الأثبات لأنَّ التعويل عليها. وهذا ما أبرزه ابن عبد البر عندما تعرَّض لِعِلَّةِ هذا الحديث كما سبق، وأنَّ الترجيح يكون بين الحفاظ ولا يضرُّهم مَن هُو دُونهم. وقد قال يحيى بن سعيد القطان ( [6] ) : «شعبة أعلم الناس بحديث قتادة ما سمع منه وما لم يسمع، وهشام أحفظ، وسعيد أكثر» . اهـ وقال عبد الرحمن بن مهدي ( [7] ) : «أحاديث همام عن قتادة مِن أصحِّ الأحاديث، لأنه كتبها إملاءً» . اهـ ولذلك قال البيهقي ( [8] ) : «فقد اجتمع هاهنا شعبة مع فضل حفظه وعلمه بما سمع قتادة وما لم يسمع، وهشام مع فضل حفظه، وهمام مع صحة كتابه وزيادة معرفته بما ليس مِن الحديث، على خلاف ابن أبي عروبة ومَن تابَعه في إدراج السعاية في الحديث. وفي هذا ما يُضَعِّف ثبوت الاستسعاء بالحديث» . اهـ

وكذلك اعترض ابن حزم على مَن أعلُّوا الحديث فقال ( [9] ) : «وهذا خبرٌ في غاية الصحة، فلا يجوز الخروج عن الزيادة التي فيه. فقال قوم: قد رَوَى هذا الخبرَ شعبةُ وهمامٌ وهشامٌ الدستوائي فَلَمْ يَذكروا ما ذكر ابن أبي عروبة. قال أبو محمد: فكان ماذا؟ وابن أبي عروبة ثقة، فكيف وقد وافقه عليه جرير وأبان وهما ثقتان؟ فإن قيل: فإنَّ همامًا قال في هذا الحديث: فكان قتادة يقول: إن لم يكن له مالٌ استسعي العبد؟ قلنا: صدق همام، قال قتادة مُفتيًا بما روى. وصدق ابن أبي عروبة وجرير وأبان وموسى بن خلف وغيرهم، فأسندوه عن قتادة» . اهـ

• قلتُ: وهذا الجَمْعُ مِن ابن حزمٍ لا يلتئم، لأنَّ حديث همَّام قَوَّى حديثَي شعبة وهشام بأنَّ القدر المرفوع مِن حديث قتادة ليس فيه ذِكْر الاستسعاء. وبمثل هذا تُعَلُّ الأحاديث.

واعترض أيضًا ابن حجر على توهيم ابن أبي عروبة، فقال ( [10] ) : «وهمامٌ هو الذي انفرد بالتفصيل، وهو الذي خالف الجميع في القدر المتفق على رفعه. فإنه جَعَلَه واقعة عين، وهُم جعلوه حكمًا عامًا. فَدَلَّ على أنه لَمْ يَضبطه كما ينبغي ... وكأن البخاري خشي مِن الطعن في رواية سعيد بن أبي عروبة، فأشار إلى ثبوتها بإشاراتٍ خفيةٍ كعادته. فإنه أخرجه مِن رواية يزيد بن زريع عنه، وهو مِن أثبت الناس فيه وسمع منه قبل الاختلاط. ثم استظهر له برواية جرير بن حازم بمتابعته، لينفي عنه التفرُّد. ثم أشار إلى أنَّ غيرهما تابعهما، ثم قال:"اختصره شعبة". وكأنه جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّرٍ: وهو أنَّ شعبة أحفظ الناس لحديث قتادة، فكيف لَمْ يَذكر الاستسعاء؟ فأجاب بأنَّ هذا لا يؤثر فيه ضعفًا، لأنه أورده مختصرًا وغيره ساقه بتمامه. والعدد الكثير أَوْلَى بالحفظ مِن الواحد» . اهـ

• قلتُ: توهيمُ ابنِ حجر لهمامٍ عجيبٌ مِنه، إذ كيف لَمْ يضبط حديثه كما ينبغي وهو الذي أَمَازَ كلامَ قتادة مِن كلام النبي صلى الله عليه وسلم وفَصَلَ بينهما! ومِثلُ هذا أصعبُ في الرواية مِن سَوْقِ الجميعِ جملةً واحدةً. ولهذا اعتمد الأئمةُ على رواية همام لأنَّ فيها ما يدلُّ على أنه ضَبَطَها وأتقنها. وأمَّا كلامه على قول البخاري إنَّ شعبة اختصر الحديث وأنَّ الجماعة أَوْلَى بالحفظ مِن الواحد، فلَمْ يضع في حسبانه حديث هشام الدستوائي وليس هو بمختصرٍ.

ومَن يتأمَّل صنيع الأئمة في هذا الحديث، يَعلم أنهم لَمْ يكونوا يتعاملون مع أحاديث الثقات استنادًا إلى قواعد جامدة، لأنَّ مثل هذه الأجوبة التي ذكرها المدافعون عن الحديث لَمْ تَغِبْ عن أحمد والنسائي والدارقطني وغيرهم، وإنما كل حديثٍ يقوم به ترجيحٌ خاص. قال العلائي ( [11] ) : «ووجوه الترجيح كثيرةٌ لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديثٍ يقوم به ترجيحٌ خاص. وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن الذي أكثر مِن الطرق والروايات. ولهذا لَمْ يَحكم المتقدِّمون في هذا المقام بحُكمٍ كُلِّيٍّ يَشمل القاعدة، بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديثٍ بمفرده» . اهـ هذا والله أعلى وأعلم.

[1] - سنن الدارقطني 4220.

[2] - السنن الكبرى للبيهقي 21332.

[3] - صحيح مسلم 1503 ولكن في كتاب الأيمان 3/ 1287 لا كتاب العتق.

[4] - سنن أبي داود 3935.

[5] - شرح مشكل الآثار 13/ 435 فما بعد.

[6] - معرفة السنن والآثار للبيهقي 20417.

[7] - السابق 20416.

[8] - السابق 20418.

[9] - المحلى بالآثار 8/ 185.

[10] - فتح الباري لابن حجر 5/ 158.

[11] - نكت ابن حجر 2/ 712.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت