21 -قوله (قط) : «يُقَالُ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ. وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ» . اهـ
• قلتُ: ههنا ثلاث قِطَعٍ تُروى عن نافع: الأولى هي قصة نَذْر عمر في الجاهلية، والثانية هي قصة الجارية التي أعتقها، والثالثة هي نَفْي اعتمار النبي صلى الله عليه وسلم مِن الجعرانة. ومِن الرواة مَن جمعها في حديثٍ واحد.
@ فرواه أيوب السختياني، واختُلف عنه:
1 -فقال جرير بن حازم ( [1] )
2 -وحماد بن سلمة ( [2] ) : عنه، عن نافع، عن ابن عمر: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ بَعْدَ أَنْ رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَكَيْفَ تَرَى؟ قَالَ: «اذْهَبْ فَاعْتَكِفْ يَوْمًا» .
قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَعْطَاهُ جَارِيَةً مِنَ الْخُمُسِ. فَلَمَّا أَعْتَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَايَا النَّاسِ، سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَصْوَاتَهُمْ يَقُولُونَ: أَعْتَقَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: أَعْتَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَايَا النَّاسِ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَبْدَ اللهِ، اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْجَارِيَةِ فَخَلِّ سَبِيلَهَا. اهـ لفظ جرير. وعند حماد بن سلمة: «غلام مِن سَبْي هوازن» .
3 -ورواه ابن عيينة، واختُلف عنه:
-فقال عبد الجبار بن العلاء ( [3] )
-ويعقوب بن كاسب ( [4] ) : عنه، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أَنَّ عُمَرَ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرُ اعْتِكَافٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَيْلَةً، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ.
وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ وَهَبَ لَهُ جَارِيَةً مِنْ سَبْيِ حُنَيْنٍ، فَبَيْنَمَا هُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ النَّاسُ يُكَبِّرُونَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ سَبْيَ حُنَيْنٍ قَالَ: فَأَرْسِلُوا تِلْكَ الْجَارِيَةَ. اهـ لفظ عبد الجبار.
-خالفهما الشافعي ( [5] )
-والحميدي ( [6] )
-وأحمد ( [7] )
-وإسحاق بن موسى الأنصاري ( [8] )
-ومحمد بن عبد الله بن يزيد ( [9] ) ، فرووا عن ابن عيينة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قصة النذر، وليس في حديثهم قصة الجارية.
4 -ورواه معمر، واختُلف عنه:
-فقال عبد الرزاق: عنه، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: لَمَّا قَفَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُنَيْنٍ، سَأَلَ عُمَرُ عَنْ نَذْرٍ كَانَ نَذَرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ اعْتِكَافِ يَوْمٍ، فَأَمَرَ بِهِ.
فَانْطَلَقَ ابْنُ عُمَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: وَبَعَثَ مَعِي بِجَارِيَةٍ كَانَ أَصَابَهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ. قَالَ: فَجَعَلْتُهَا فِي بَعْضِ بُيُوتِ الْأَعْرَابِ حِينَ نَزَلْتُ. فَإِذَا أَنَا بِسَبْيِ حُنَيْنٍ قَدْ خَرَجُوا يَسْعَوْنَ يَقُولُونَ: أَعْتَقَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ اللَّهِ: اذْهَبْ فَأَرْسِلْهَا. قَالَ: فَذَهَبْتُ فَأَرْسَلْتُهَا. اهـ قاله أحمد بن حنبل ( [10] ) وعبد بن حميد ( [11] ) وابن راهويه ( [12] ) عنه. ورواه الدبري ( [13] ) عنه دون قصة الجارية.
-وقال ابن المبارك: عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: لَمَّا قَفَلْنَا مِنْ حُنَيْنٍ, سَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَذْرٍ كَانَ نَذَرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ اعْتَكَافِ يَوْمٍ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَفَائِهِ. اهـ ليس في روايته إلاَّ هذا. قاله حبان بن موسى ( [14] ) ومحمد بن مقاتل ( [15] ) عنه.
5 -ورواه حماد بن زيد، واختُلف عنه:
-فقال سليمان بن حرب
-وخلف بن هشام
-وأبو الربيع الزهراني: عنه، عن أيوب، عن نافع مرسلًا: أنَّ عمر كان عليه اعكتاف ليلةٍ في الجاهلية، فلمَّا نزل النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة سأله عنه، فأمره أن يعتكف. اهـ كذا أخرجه الإسماعيلي في مستخرجه، وهذا لفظ أبي الربيع ( [16] ) .
-وقال أحمد بن عبدة ( [17] ) : عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع: ذُكِرَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ عُمْرَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، قَالَ: لَمْ يَعْتَمِرْ مِنْهَا.
قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِيَ بِهِ.
فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ، إِذَا السَّبْيُ فِي الطَّرِيقِ يَقُولُونَ: أَعْتَقَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! قَالَ: وَكَانَ لِعُمَرَ جَارِيَتَانِ مِنَ السَّبْيِ قَدْ حَبَسَهُمَا فِي بَيْتٍ، فَقَالَ لِي: اذْهَبْ فَأَطْلِقْهُمَا. اهـ
-وقال عارم أبو النعمان ( [18] ) : عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيَّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِيَ بِهِ.
قَالَ: وَأَصَابَ عُمَرُ جَارِيَتَيْنِ مِنْ سَبْيِ حُنَيْنٍ، فَوَضَعَهُمَا فِي بَعْضِ بُيُوتِ مَكَّةَ. قَالَ: فَمَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَبْيِ حُنَيْنٍ، فَجَعَلُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، انْظُرْ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّبْيِ. قَالَ: اذْهَبْ فَأَرْسِلِ الجَارِيَتَيْنِ.
قَالَ نَافِعٌ: وَلَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الجِعْرَانَةِ. وَلَوِ اعْتَمَرَ، لَمْ يَخْفَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ. اهـ
• قلتُ: هذا حديث أيوب، وقد اختُلف عنه في أسانيد هذه القطع الثلاث: فروى عنه الناسُ قصةَ النذر مسندةً، ورواها حماد بن زيد عنه مرسلةً ليس فيها ابن عمر. ورووا عنه قصة الجارية مسندةً، وأرسلها حماد بن زيد أيضًا. ونَفْيُ اعتمار النبي مِن الجعرانة لَمْ يَرْوِهِ إلاَّ حماد بن زيد، واختُلف عنه: فجعله أحمد بن عبدة مِن قول ابن عمر، وجعله عارم مِن قول نافع.
وقد تابَعَ أيوبَ على قصة النذر: عبيد الله بن عمر وابن إسحاق.
@ فقال عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ. قَالَ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» . اهـ ليس في رواية عبيد الله إلاَّ هذا. وقد رواه أصحاب عبيد الله عنه: فمِنهم مَن قال هكذا: أنَّ عمر، ومِنهم مَن قال: عن عمر. وأخرجه البخاري ومسلم على الوجهين ( [19] ) .
@ ورواه محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر كذلك، إلاَّ أنَّ في حديثه اعكتاف يوم. وحديثُه أخرجه مسلم ( [20] ) .
فالصواب في هذا الحديث أنَّ نافعًا أسنده عن ابن عمر وليس مرسلًا.
وأمَّا قصة الجارية، فقد خالَفَ أيوبَ فيها ابنُ إسحاق.
@ فقال ابن إسحاق: حدثني نافع، عن ابن عمر قال: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَارِيَةً مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ، فَوَهَبَهَا لِي. فَبَعَثْتُ بِهَا إِلَى أَخْوَالِي مِنْ بَنِي جُمَحٍ لِيُصْلِحُوا لِي مِنْهَا، حَتَّى أَطُوفَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ آتِيَهُمْ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُصِيبَهَا إِذَا رَجَعْتُ إِلَيْهَا. قَالَ: فَخَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ حِينَ فَرَغْتُ، فَإِذَا النَّاسُ يَشْتَدُّونَ. فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: رَدَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا. قَالَ: قُلْتُ: تِلْكَ صَاحِبَتُكُمْ فِي بَنِي جُمَحٍ فَاذْهَبُوا فَخُذُوهَا. فَذَهَبُوا فَأَخَذُوهَا. اهـ قاله إبراهيم بن سعد ( [21] ) وهذا لفظُه وسلمة بن الفضل ( [22] ) عنه.
وقد رجَّح الدارقطنيُّ في حديث أيوب رواية الإرسال، فقال ( [23] ) : «وأخرج البخاري أيضًا مِن حديث حماد، عن أيوب: أنَّ عمر أصاب جاريتين مِن سَبْي حنين ( [24] ) . وهذا مرسلٌ أرسله حماد، ووصله جرير بن حازم عن أيوب، وابن كاسب عن ابن عيينة عن أيوب. وقول حماد المرسل أصح» . اهـ ولعلَّ حديث ابن إسحاق بهذا السياق أشبه.
وأمَّا نَفْيُ اعتمار النبي صلى الله عليه وسلم مِن الجعرانة، فهو الذي تكلَّم فيه الدارقطني هنا. والأشبه بالصواب أنه مِن قول نافع كما قال عارم، لا مِن قول ابن عمر كما قال أحمد بن عبدة. ونافع قاله اجتهادًا مِنه، بدليل قوله: «ولو اعتمر، لَمْ يَخْفَ على عبد الله» . اهـ والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قد اعتمر مِن الجعرانة كما قال أنس ( [25] ) . وقول الدارقطني هنا: «يُقَالُ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ .. إلخ» أَخَذَه مِن ابن عمار الشهيد، وذلك أنه قال ( [26] ) : «ووجدتُ فيه لأحمد بن عبدة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع: ذُكر لابن عمر عمرة النبي صلى الله عليه وسلم مِن الجعرانة، قال: لم يعتمر منها. قال أبو الفضل: وهذا حديثٌ لَمْ يَرْوِهِ غير ابن عبدة عن حماد، وهو غير صحيح. وقد صَحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر مِن الجعرانة» . اهـ
[1] - صحيح مسلم 1656.
[2] - مسند أحمد 6418 وصحيح مسلم 1656 ومسند البزار 5828.
[3] - صحيح ابن خزيمة 2229.
[4] - الإلزامات والتتبع للدارقطني ص254.
[5] - مسند الشافعي بترتيب سنجر 1041.
[6] - مسند الحميدي 708.
[7] - مسند أحمد 4577.
[8] - سنن ابن ماجه 1772 والسنن الكبرى للنسائي 3340 وغيرهما.
[9] - السنن الكبرى للنسائي 3339.
[10] - مسند أحمد 4922.
[11] - صحيح مسلم 1656.
[12] - صحيح ابن حبان 4381.
[13] - مصنف عبد الرزاق 8030 ومستخرج أبي عوانة 5877.
[14] - مسند ابن المبارك 178.
[15] - صحيح البخاري 4320.
[16] - فتح الباري لابن حجر 8/ 35.
[17] - صحيح مسلم 1656 ومسند البزار 5829 ومستخرج أبي عوانة 5878 واللفظ له.
[18] - صحيح البخاري 3144.
[19] - صحيح البخاري 6697 و 2032 و 2042 و 2043، وصحيح مسلم 1656.
[20] - صحيح مسلم 1656.
[21] - مسند أحمد 5374.
[22] - تاريخ الطبري 3/ 88.
[23] - الإلزامات والتتبع ص254.
[24] - في المطبوع والنسخة الخطية: «خيبر» وهو تحريف. والتصويب مِن صحيح البخاري.
[25] - صحيح البخاري 1778، وصحيح مسلم 1253.
[26] - علل أحاديث صحيح مسلم لابن عمار الشهيد 17.