فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 153

24 -قوله (مس) : «وَمُسْلِمٌ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ غَيْرَ ( [1] ) عَبْدِ الْجَبَّارِ أَوْقَفَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ» . اهـ

• قلتُ: هذا ما ذَهَبَ إليه أيضًا الدارقطنيُّ في التتبع، حيث قال: «واحتمل أن يكون خَفِيَ على مسلم أنَّ ابن عيينة يرويه موقوفًا، لأنه لَعَلَّهُ لَمْ يَقَعْ عنده إلا مِن رواية عبد الجبار» . اهـ وهذا اعتذارٌ وجيهٌ. فالظاهر أنَّ مسلمًا لَمْ يَقِفْ إلاَّ على رواية عبد الجبار هذه، فصحَّحها اعتمادًا على أنَّ حديثَ الزهري صحيحٌ رَفْعُه مِن رواية الأثبات عنه. ولو أنه وقف على رواية الحميدي التي سأل فيها ابنَ عيينة عن رَفْعِ الحديث، لأعرض عن طريق ابن عيينة ولاكتفى بالطُرُق الأخرى عن الزهري كما فَعَلَ البخاري. ولعلَّ الزهري كان يُحدِّث بهذا الحديث مرفوعًا، وحدَّث به مرةً موقوفًا فرواه ابن عيينة عنه هكذا ( [2] ) .

فقولك:"ولعل الزهري ..."، هو من التجويزات العقلية, لا مدخل فيه للصنعة, فإن سفيان وإن كان من أثبتهم في الزهري, إلا أنه لم يكن بأكثرهم فيه, والذين بقروا علم الزهري: معمر, ويونس, وعُقيل. أما مالك, وسفيان فإنهما على إتقانهما مع تفاوتهما لم يرويا عن الزهري جل حديثه, وإنما لهما عنه نحو ثلاث مئة حديث, كذا قال أحمد.

وابن شهاب مكثر, أحد المدارات, فلو كان عنده موقوفًا أشبه أن يرويه هؤلاء المكثرون.

أرأيت إن قام رجل ولمز سفيان بالوهم في ذا الحديث, فقال: الزهري ربما دلس, وربما أفتى خلف مسند, وربما قرن مرسلًا بمسند أو موقوف؛ فيخفى على سفيان فيحسبه مسندًا، كما في حديث سالم، عن أبيه:"فى المشي أمام الجنازة"، فإن أبا عبد الرحمان النسائى قد أفصح عن علته - وإن استعجمها بعض محدثى العصر من أهل العلم المتحققين بالحديث، ورأى اعتماد شهادة سفيان على ابن شهاب بعد أن روجع - قال النسائى، كما فى"التحفة" (6820) : «هذا خطأ والصواب مرسل، وإنما أتى هذا عندي لأن هذا الحديث رواه الزهري، عن سالم، عن أبيه: أنه كان يمشي أمام الجنازة، وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة» . انتهى.

قلت: فبان أن سفيان ظن أن القائل لذلك هو ابن عمر, ولم يفطن أنه الزهري نفسه, فشهد عليه برفعه فأخطأ, هذا مع متابعة بعضهم لسفيان فيه, ولم يعبا الأئمة بذلك.

ثم قال: فالذى أرى أن سفيان كان يهم فيه أحيانًا فحفظه الجماعة عنه على الوهم منه لهم, وحفظه عبد الجبار على الصواب, وسفيان ربما اضطرب قليلًا جدًّا أو أن الحديث عنده على الوجهين, وربما قصر في رواية أو شك, فأتى بالمتيقن وهو الوقف ههنا, وربما يشك أحيانًا في اسم رجل فيبهمه ويأتى بالمتيقن، أو غير ذلك، هل لنا عليه من الحجة إلا أن نقول سفيان كما قلت من توقيه وحفظه وتطرق بعض الوهم إليه في الزهري، إلا أن الحمل على عبد الجبار ههنا أولى من تجويز روايتين عن سفيان إحداهما محفوظة والأخرى هى محل النزاع.

والذى يقرب ويكاد يقطع به بعد انقطاع عبد الجبار عن الجهابذة الحفاظ بالرفع من حديث سفيان أن الحمل فيه عليه, مع ضميمة وهمه عليه في غير ما حديث, وفيه من ذا الجنس أيضًا من الغلط, وهو إن كان يتثبت في الأخذ موصوفًا بالإتقان على أنه مراتب يزيد وينقص, ورب حافظ نقص من إتقانه وأقل حفظًا منه زاد عليه فيه, إلا أنه اشتغل بالتجارة, فربما بعد عهده بالكتاب, وهو عند أهل العلم أحفظ.

وهذا الجنس من الوهم هو من أفشى نوع وأدخله على الثقات, وهو رفع موقوف, وخصوصًا إذا كان للحديث أصل مرفوع كحالتنا, فذى أمارة وهمه لكون الحديث مشهور مرفوعًا من حديث ابن شهاب, أما من حديث سفيان فلا يكاد يقيمه هكذا إلا الجهابذة المتقنون لفهمهم وهم طبقة فوق سائر الحفاظ يعنون بإحصاء مرويات من يجمع حديثه وإحصاء وهمه والوهم عليه, فلم يكونوا ليفوتوا اضطراب سفيان فيه لو كان, ثم إن سفيان ههنا في حديثنا قد روجع فنفى علمه به مرفوعًا وذا برهان قاهر على وهم عبد الجبار عليه وعدم رفعه هو له, بل واستظهر ابن عيينة بالنسخ وله مدخل في حفظه له موقوفا هكذا.

ولم يخف علي - لله الحمد - أن المحدث قد يحدث وينسى, لكن إذا حفظ عنه ذلك من طريق الأثبات هذا.

ولا يفت المعترض المتوهم أن الحميدي أيضًا يُعنى في مسنده بذكر الأوجه والأنحاء التى يروى عليها سفيان الحديث, وهو ملازم له, من أتقن أصحابه, فلو حدّث به مرة هكذا أشبه أن يذكره.

والكلام كثير طويل في هذا الباب لا يمكننى ذكره كله, غير أن وجه انتقاد الأخ أحمد ومجازفته هو قوله: «ولعلَّ الزهري كان يُحدِّث بهذا الحديث مرفوعًا، وحدَّث به مرةً موقوفًا فرواه ابن عيينة عنه هكذا» .

وهى جائزة عقلًا شبه مستحيلة بالنظر إلى علم العلل، ولذا لم يعرج عليها الدارقطنى، ولا أبو مسعود، ولا غيرهما حسب علمى فليتئد الأخ، فإن هذا الفن دقيق جدًّا.

والحجة لنا على الأخ هى شبيهة بها على المعترض المتوهم، ومنها أنا قد علمنا حال ابن شهاب من الحفظ والإتقان، وأنه أحد المدارات، يمكن فيه من تنوع الأسانيد، ويستساغ ما لا يستساغ من غيره، إلا أنه لم يكن ليوقف الحديث، ويقصر به إلا لعلة.

ولا يقولن قائل:"لعله لم ينشط لذلك"، فإن الأصل خلاف ذلك، وإنما يصار إلى مثل ذا الكلام عند الجزم أو قريبًا منه بحفظ تلك الرواية عنه.

وللعلم؛ فإن أكثر ذلك إنما يقع في إرسال مسند لا وقف مرفوع، ولا يخفى الفرق بينهما، لأنه متى نشط لإقامة الإسناد إلى الصحابي، فما الذى دعاه لوقفه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد لا ينشط لذكر التابعى أو الصحأبي فيرسل الحديث، فليتنبه للفرق بين الحالتين.

والزهري لا يوقفه إلا لعلة، فإنه حافظ جدًّا!! ولا أعلمها ههنا فما هو كأيوب، ولا ابن سيرين في توجسهم، ولا هو كمسعر في شكه وتوقيه.

ونعود فنقول: اجتمع الحفظ مع الكثرة مع الإتقان مع الملازمة في الزهري على خلاف رواية ابن عيينة، وإن كان حافظًا متقنًا من أثبتهم في الزهري، إلا أنه تبرأ من رفعه مع محاققة الحميدى له، فبان أن الرفع وهم عليه، وإن كان صوابًا في حديث ابن شهاب، وأن ابن شهاب لم يوقفه قط.

ومن علم حال الزهري استوحش من هذا الكلام، فابن عيينة أخطأ وسبب خطئه يلوح لي - بإذن الله - ولا أطيل بذكره ههنا.

أما عبد الجبار، فقد أخطأ على سفيان، وكلام الأئمة في هذا الحديث صائب، واتكل فيه مسلم على عبد الجبار، فجاز عليه، كما اتكل النسائى عليه في حديث أبي قتادة فى"فضل الإيمان بالله والجهاد في سبيله"، فأخرجه موصولًا عنه، عن ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن قيس، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه به، وأرسله غيره من الثقات، وهذه الفائدة نقلتها من"التحفة"للمزى (12105) ، وهى لحمزة الكناني.

هذا؛ وزيادة الاخ أحمد الأقطش على كلام الأئمة في وجه تعليل حديثنا مردودة لا تمت إلى علم العلل بصلة، وبها وبأمثالها خاف الناس، وعلى رأسهم ريحانة مصر وإمام المحدثين لا امتراء في ذلك الشيخ الحويني من التفرقة بين منهج المتقدمين والمتأخرين، لأنه ربما أفضى ببعض الطلاب لارتكاب مزالق، فإن فقه مراتب الرواة وشذوذ الروايات مقام وعر على أني أرى التفرقة للمتأهل حسب وأنعي على كثير من المشتغلين خوضهم في العلل دون تمكن تام، والله المستعان، ومن المتمكنين عندنا الشيخ طارق عوض الله، وغيره، حفظهم الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت