فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 153

وقد طعن النوويُّ في مذهب الدارقطني وأَسْرَفَ في رَدِّه بما لو سكت عنه لكان أليق به، فقد جاء كلامُه فيه أجنبيًّا عن علم العلل. فقال في أحد الأحاديث ( [1] ) : «هذا كلام الدارقطني، وهذا الذي استدركه بَنَاه على القاعدة المعروفة له ولأكثر المحدِّثين: أنه إذا تعارض في رواية الحديث وَقْفٌ ورَفْعٌ أو إرسالٌ واتصالٌ، حكموا بالوقف والإرسال. وهي قاعدةٌ ضعيفةٌ ممنوعةٌ. والصحيح طريقة الأصوليين والفقهاء والبخاري ومسلم ومحققي المحدثين: أنه يُحكم بالرفع والاتصال لأنها زيادة ثقة» . اهـ فَلَمْ يكتفِ بأنْ حَطَّ مِن شأنِ الدارقطنيِّ في نقده - مع أنَّ حقيقةَ مذهبِه ليست كما قرَّرها - حتَّى زاد على ذلك أنْ زَعَمَ أنَّ مذهب البخاري ومسلم هو نفس مذهب الأصوليين والفقهاء في قبول الزيادة مطلقًا وأنه هو المذهب الصحيح! وحَسْبُك بمن يقول ( [2] ) : «قد استدرك الدارقطنيُّ على البخاري ومسلم أحاديث وطعن في بعضها. وذلك الطعن الذي ذكره فاسدٌ مبنيٌّ على قواعد لبعض المحدِّثين ضعيفةٍ جدًّا مخالفةٍ لِمَا عليه الجمهور مِن أهل الفقه والأصول وغيرهم ولقواعد الأدلة. فلا تغترَّ بذلك» . اهـ حَسْبُك بمَن يقول مِثل هذا الكلام على شيخٍ مِن شيوخ الصنعة ألاَّ يؤبه بقوله في ما لا قِبَلَ له به. وسنذكر جوابَه على الدارقطني في هذا الحديث لاحقًا.

وما ادَّعاه النوويُّ على الإمام الذي شَرَحَ صحيحَه مِن أنه على مذهب الأصوليين في قبول زيادة الثقة مطلقًا فليس له حظٌّ مِن النظر، وليس شيءٌ بأَصْرَحَ في بيان مذهبِ مسلمٍ مِن كلامِه نفسِه. فقد قال في كتاب التمييز في معرفة أخطاء الثقات ( [3] ) : «والجهة الأخرى أن يَروي نفرٌ مِن حُفَّاظ الناس حديثًا عن مِثل الزهري أو غيره مِن الأئمة بإسنادٍ واحدٍ ومتنٍ واحدٍ، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن لا يختلفون فيه في معنى. فيرويه آخرُ سواهم عمَّن حدَّث عنه النفرُ الذين وصفناهم بِعَيْنِه، فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حَكَى مَن وَصَفْنا مِن الحُفَّاظ. فيُعلم حينئذٍ أنَّ الصحيح مِن الروايتين ما حدَّث الجماعةُ مِن الحفاظ، دون الواحد المنفرد وإن كان حافظًا. على هذا المذهب رَأَيْنا أهلَ العلم بالحديث يَحكمون في الحديث: مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم مِن أئمة أهل العلم» . اهـ

فهذا صريحُ مذهبِه أنَّ مَن خالَفَ غيرَه مِن الحفاظ في ذات الحديث الواحد يُحكم بخطئه وإن كان حافظًا، وهو المذهب المعتمد عند الأئمة العارفين بهذا الشأن. والأمثلة التي ضربها بعد ذلك دالَّةٌ على اتباعِه طريقتَهم، وقد اشتملت على ألوانٍ مِن المخالفة التي يقع فيها الثقات كتعارض الوصل والإرسال والرفع والوقف والزيادة في المتون، وهي متعلقةٌ بزيادة الثقة. ووقوع المخالفة إنما يكون في نفس الحديث المرويِّ، ولذلك قال: «بإسنادٍ واحدٍ ومتنٍ واحدٍ» . وفي هذا يقول ابن رجب ( [4] ) : «وأما مسألة زيادة الثقة التي نتكلم فيها ههنا: فصورتها أن يَروي جماعةٌ حديثًا واحدًا بإسنادٍ واحدٍ ومتنٍ واحدٍ، فيزيد بعضُ الرواة فيه زيادةً لَمْ يَذكرها بقيةُ الرواة» . اهـ أمَّا في الأسانيد، فالشأن عند مسلم هو ما ذكرنا عنه. وأمَّا في المتون، فالزيادة عنده لا تُقبل مِن أيِّ ثقةٍ، وإنما تُقبل مِن الحفاظ الذين لا يكادون يخطئون. يقول مسلم ( [5] ) : «والزيادة في الأخبار لا تلزم ( [6] ) إلاَّ عن الحُفَّاظ الذين لَمْ يكثر ( [7] ) عليهم الوهم في حِفظهم» . اهـ ويتبيَّن مِن الأمثلة التي ضربها أنَّ هذا أيضًا مقيَّدٌ بعدم مخالفة الأحفظ والأثبت.

وكيف يقال إنَّ مذهب الأصوليين والفقهاء هو الصحيح وأنَّ مسلمًا يقول به، وهو نفسُه لا يَعْتَدُّ بِقَوْلِ مَن ليسوا مِن أهل هذه الصنعة! فقد قال بعد أن ذَكَرَ طرفًا مِن أخطاء الثقات في الأسانيد والمتون ( [8] ) : «واعلم رحمك الله أنَّ صناعة الحديث ومعرفة أسبابه مِن الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصةً، لأنهم الحُفَّاظ لروايات الناس العارفين بها دون غيرهم. إذ الأصل الذي يعتمدون لأديانهم السننُ والآثارُ المنقولة مِن عصرٍ إلى عصرٍ، مِن لَدُن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا. فلا سبيل لِمَن نابَذهم مِن الناس وخالَفهم في المذهب إلى معرفة الحديث ومعرفة الرجال مِن علماء الأمصار فيما مضى مِن الأعصار مِن نُقَّالِ ( [9] ) الأخبار وحُمَّالِ الآثار. وأهلُ الحديث هم الذين يعرفونهم ويميِّزونهم، حتَّى يُنزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح .. إلخ» . اهـ فأيُّ حُجَّةٍ في ذِكْرِ مذهب الأصوليين والفقهاء في معرفة ما يُقبل مِن الأحاديث وما يُرَدُّ! وقد أوردنا قولَ العلائي آنفًا في أنَّ مسلمًا شأنه شأن غيره مِن أئمة الحديث مذهبه غير مذهب الأصوليين والفقهاء، وهو الحق الذي لا يحتاج إثباته إلى عناء. والله المستعان.

[1] - شرح النووي على مسلم 6/ 141.

[2] - مقدمة شرح صحيح البخاري للنووي المطبوعة باسم: ما تمس إليه حاجة القاري ص67.

[3] - التمييز لمسلم ص172.

[4] - شرح علل الترمذي 2/ 635.

[5] - التمييز لمسلم ص189.

[6] - في المطبوع: «يلزم» . والتصويب مِن شرح علل الترمذي 2/ 642.

[7] - في المطبوع: «يعثر» . والتصويب مِن شرح علل الترمذي.

[8] - السابق ص218 فما بعد.

[9] - في المطبوع: «نقل» . والأشبه ما أثبته اعتمادًا على ص179 مِن نفس الكتاب حيث وردت نفس العبارة: «نقال الأخبار» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت