فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 153

37 -قوله (مس) : «وَالأَشْجَعِيُّ فَهُوَ ثِقَةٌ مُجَوِّدٌ، فَإِذَا جَوَّدَ مَا قَصَّرَ بِهِ غَيْرُهُ حُكِمَ لَهُ بِهِ» . اهـ

• قلتُ: هذه مِن المسائل المشهور فيها الخلافُ بين منهج النقَّاد ومنهج غيرِهم مِن الفقهاء والأصوليين والمتساهلين مِن المحدِّثين، وهي قبول زيادة الثقة. وأبو مسعود الدمشقي يعتمد عليها في بعض أجوبته على انتقادات الدارقطني، ومِنها هذا الموضع هنا. والدارقطني لَمْ يأتِ بدعًا مِن القول ولا ابتكر منهجًا جديدًا في النقد، وإنما هذا هو منهج الجهابذة في التعامل مع زيادات الثقات. فالحقُّ أنَّ المرجع في هذا إلى أرباب الصنعة وهم الأئمة النقَّاد، وغيرُهم عالةٌ عليهم في معرفة ما يُقبَل مِن الأخبار وما يُرَدُّ. وتقعيدُ المتساهلين ليس حاكمًا على صنيع أئمة الحديث المتقدِّمين، لأنَّ هؤلاء الأئمة لَمْ يكونوا يتعاملون مع الأحاديث كأنها معادلاتٍ رياضيةً، وإنما لهم نظرٌ في الترجيح بين الروايات. فليس كل ما يرويه الثقة يكون صحيحًا عندهم، ولا كل ما يرويه الضعيف يكون عندهم ضعيفًا. فالثقة قد لا يضبط حديثًا مِن الأحاديث ويضبطه راوٍ ضعيفٌ، فيرجِّح الأئمةُ روايةَ هذا الضعيف عليه لِمَا ظَهَرَ لهم مِن مرجِّحات. وعلى هذا فليس لهم حُكمٌ مطردٌ في قبول زيادات الثقات، بل يختلف حُكمُهم مِن حديثٍ لآخر وبحسب ما يظهر لهم مِن قرائن. وأمَّا المتساهلون مِن المحدِّثين فهم يقبلون زيادة الثقة مطلقًا، وتَبِعَهُم في هذا جماهيرُ المتأخِّرين، وهذا موافقٌ لمذهب الفقهاء والأصوليين الذين لا يأبهون بالشذوذ والعِلَّة.

قال ابن حجر ( [1] ) : «وجَزَمَ ابنُ حبان والحاكمُ وغيرهما بقبول زيادة الثقة مطلقًا في سائر الأحوال، سواءٌ اتَّحد المجلس أو تعدَّد، سواءٌ أكثر الساكتون أو تساووا. وهذا قولُ جماعةٍ مِن أئمة الفقه والأصول، وجرى على هذا الشيخُ محيي الدين النووي في مصنفاته. وفيه نظرٌ كثيرٌ. لأنه يَرِدُ عليهم الحديثُ الذي يتَّحد مخرجه فيرويه جماعةٌ مِن الحفاظ الأثبات على وجهٍ، ويرويه ثقةٌ دونهم في الضبط والإتقان على وجهٍ يشتمل على زيادةٍ تخالف ما رووه إمَّا في المتن وإمَّا في الإسناد. فكيف تُقبل زيادته وقد خالفه مَن لا يَغفل مثلُهم عنها لِحِفْظِهم أو لِكَثرتهم؟» . اهـ

ولهذا قال العلائي بعد أن ذَكَرَ أقوال الأصوليين في هذه المسألة ( [2] ) : «فهذا كلامُ بعضِ أئمة الأصول مِمَّن وقفتُ عليه. وأمَّا أئمة الحديث: فالمتقدِّمون مِنهم كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ومَن بعدَهما كعلي بن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وهذه الطبقة، وكذلك مَن بعدَهم كالبخاري وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين ومسلم والنسائي والترمذي وأمثالهم، ثم الدارقطني والخليلي - كل هؤلاء يقتضي تصرُّفهم مِن الزيادة قبولًا ورَدًّا الترجيحُ بالنسبة إلى ما يَقوى عند الواحد مِنهم في كل حديثٍ، ولا يحكمون في المسألة بحُكمٍ كُلِّيٍّ يَعُمُّ جميعَ الأحاديث. وهذا هو الحق الصواب» . اهـ

وحديثُنا هذا قد رواه عن مالك بن مغول خمسة نفر: فقال اثنان مِنهم، وهما الأشجعي والمرزبان، إنَّ أبا صالح حدَّث به عن أبي هريرة. وقال الباقون، وهم أبو أسامة وابن نُمَيْر ويونس بن بكير، إنه حدَّث به مرسلًا. فهنا زادَ الأشجعيُّ أبا هريرة في الإسناد، فحَكَمَ أبو مسعود لهذه الرواية الموصولة على الرواية المرسلة اعتمادًا مِنه على أنَّ الأشجعي ثقة. ورَدَّدَ كلامَه أيضًا ابنُ الصلاح والنووي في دفاعهما عن مسلم في هذا الحديث كما سيأتي. وكيف يُحكم للأشجعي وقد خالفه حافظان متقنان وهما أبو أسامة وابن نمير؟ فالحُكم لهما لكونهما أثبت مِنه.

وهذا هو المعمول به لدى الأئمة في الترجيح بين الاختلافات التي تقع مِن الثقات فيما بينهم. قال عبد الله بن المبارك ( [3] ) : «الحُفَّاظ عن ابن شهابٍ ثلاثة: مالك ومعمر وابن عيينة. فإذا اجتمع اثنان على قول، أخذنا به وتركنا قولَ الآخَر» . اهـ ولَمْ يَقُلْ إنَّ هذا الآخَر ثقةٌ حافظٌ جَوَّد ما لَمْ يجوِّدْه غيرُه. وهذا هو صريحُ مذهبِ الدارقطني، فقد قال السلمي في سؤالاته ( [4] ) : «وسئل عن الحديث إذا اختَلف فيه الثقات، مثل أن يَروي الثوريُّ حديثًا ويخالفه فيه مالكٌ، والطريقُ إلى كل واحدٍ منهما صحيح. قال: يُنظر ما اجتمع عليه ثقتان، يُحكم بصحته. أو جاء بلفظةٍ زائدةٍ ثَبَتٌ ( [5] ) ، تُقبل مِنه تلك الزيادة. ويُحكم لأكثرهم حفظًا وثبتًا على مَن دُونه» . اهـ ويُجلِّي ذلك قولُه في أحد الأحاديث ( [6] ) : «ومطرف مِن الأثبات، وقد اتفق عنه رجلان ثقتان فأسنداه عن عمر. ولولا أنَّ الثوري خالفه فرواه عن زيد العمي فَلَمْ يَذكر فيه عمر، لكان القولُ قولَ مَن أسند عن عمر لأنه زاد وزيادة الثقة مقبولة» . اهـ فزيادات الثقات لا تُقبَل هكذا على إطلاقها، لا سيما مع مخالفة الحُفَّاظ الأثبات. وبمثل هذا تُعَلُّ الأحاديث.

[1] - النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر 2/ 687 فما بعد.

[2] - نظم الفرائد للعلائي ص376 فما بعد.

[3] - السنن الكبرى للنسائي عقب 2083.

[4] - سؤالات السلمي للدارقطني 470. ويُستغرب ما قام به الشيخ المدخلي في تحقيقه لنكت ابن حجر 2/ 689: حيث خطَّأ جميعَ النسخ في ذِكْر صاحب السؤالات، فبدَّله وجعله (السهمي) ، ثم ذَكَرَ أنه لَمْ يعثر على النص في سؤالاته! فقال في الهامش: «راجعتُ سؤالات السهمي .. فَلَمْ أَجِدْ هذا النص .. هذا وفي جميع النسخ: (السلمي) ، والصواب ما كتبناه» . اهـ

[5] - في المطبوع: «تثبت» ، وفي نكت الزركشي 2/ 180: «مثبت» ، وفي نكت ابن حجر 2/ 689: «متقن» . والأشبه أن يكون المقصود بهذه اللفظة هو الراوي الثبت كما فهم ابن حجر.

[6] - علل الدارقطني 120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت