فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 153

45 -قوله (قط) : «وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَ شُعْبَةَ، إِنَّمَا هُوَ سَعِيدٌ. هَكَذَا كَتَبَهُ بِخَطِّهِ، وَبَيَّضَ بَيْنَ سَعْدٍ وَالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» . اهـ

فائدة:

قال أبو عبد الله الحاكم ( [1] ) : «حَضَرْنا مجلس الشيخ أبي بكر بن إسحاق، وأبو عبد الله محمد بن يعقوب الأخرم وأبو علي الحافظان حاضران. فأملى علينا الشيخ أبو بكر، عن إبراهيم بن يوسف الهسنجاني، عن أبي طاهر، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: {مَن أدرك مِن الصلاة ركعةً، فقد أدركها كلها} . فقال أبو عبد الله: يا أبا علي، مَن قال عن يونس {فقد أدركها كلها} ؟ فقال أبو علي: هذا لا نحفظه إلاَّ مِن حديث عبيد الله بن عمر عن الزهري. فقال أبو عبد الله: بلى، في حديث حرملة، عن ابن وهب، عن يونس: {فقد أدركها كلها} . فقال أبو علي: حدثناه ابن قتيبة، عن حرملة، ولَمْ يَقُلْ فيه: {كلها} . فقال أبو عبد الله: حدَّث به مسلم بن الحجاج عن حرملة، وقال فيه: {كلها} . وجَرَى بينهما كلامٌ كثير. وقام أبو عبد الله، وكان أبو علي يهابه هيبة الولد لأبيه. فلمَّا كان المجلس الثاني عند الشيخ، حَضَرَا جميعًا، وقعد أبو عبد الله عن يمينه وأبو علي عن يساره. فأخرج أبو عبد الله كتاب مسلم بن الحجاج بخطِّ مسلم عن حرملة، وفيه: {كلها} . فقال أبو علي: مَن لا يَحفظ الشيء فإنه يُعذر. فقال أبو عبد الله: مَن يُنكِر مثل هذا تعرك أذنه وتفك أسنانه» . اهـ

• قلتُ: فكأنَّ النسخة المكتوبة بخط مسلم التي احتكم إليها ابن الأخرم هي نفس النسخة القديمة التي اطلع عليها الدارقطني، وفيها أشياء قد تركها مسلم وأشياء أصلحها بعدُ. وآية ذلك أنَّ هذا الحديث ( [2] ) في رواية ابن سفيان ورواية القلانسي ليس فيه هذه الزيادة! وابن الأخرم له اعتناءٌ بصحيح مسلم، لأنه أفنى عمره في تصنيف مستخرجٍ عليه. فهذا يشهد لقول الدارقطني عن هذه النسخة القديمة مِن الصحيح.

• قلتُ: هذا الحديث أيضًا مِن الأصل القديم الذي وَقَفَ عليه الدارقطني، فهو ينقل مِنه مباشرةً بخطِّ مسلم. فكأنَّ هذه النسخة كانت بمثابة المسوَّدة للكتاب، وفيها مواضع يعوزها تحرير. وهو ما ذَهَبَ إليه أيضًا أبو طاهر السلفي وسيأتي كلامُه. وهذا النقل يؤكِّد أنَّ نسخة الصحيح عند ابن عمار الشهيد كانت مِن تلك النُّسَخ وثيقة الصلة بهذا الأصل القديم، ذلك أنه أَوْرَدَ هذا الحديثَ أيضًا مِن صحيح مسلم وانتقده في عِلَلِه. فقال ( [3] ) : «ووجدتُ فيه: عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن سعد بن هشام، عن عائشة رضي الله عنها:"أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأجراس أن تُقطع مِن أعناق الإبل يوم بدر". قال أبو الفضل: وهذا حديثٌ لا أصل له عندنا مِن حديث شعبة، وإنما يُعرف مِن حديث سعيد بن أبي عروبة» . اهـ ويلاحَظ أنَّ نسخة ابن عمار الشهيد ليست هي نفس النسخة القديمة التي كتبها مسلم بخط يده ونَقَلَ الدارقطنيُّ مِنها: لأنَّ السند في نسخة ابن عمار مذكورةٌ فيه عائشة رضي الله عنها، وأمَّا تلك النسخة التي وَقَفَ عليها الدارقطني فقد بَيَّضَ مسلمٌ في هذا الموضع فيها بين سعد بن هشام والنبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا الحديث ليس له وجودٌ في صحيح مسلم كما وصل إلينا مِن رواية ابن سفيان، لكن ما نَقَلَه ابن عمار والدارقطني يؤكِّد أنَّ هذين الحافظين لَمْ يَهِمَا في نسبة بعض الأحاديث إلى كتاب مسلم. بل يتبيَّن مِن أقوالهما أنَّ مسلمًا بعد أن أَخرج كتابَه الأولَ جعل يصلحه تبعًا لتغيُّر اجتهاده، ثم هُجر هذا الأصل القديم بعد انتشار الراويات الأخرى وعلى رأسها رواية ابن سفيان، حيث أَوْدَع فيها مسلمٌ ما استقرَّ عليه الأمرُ عنده في شأن أحاديث كتابه.

ولعلَّ حديث غندر هذا قد حذفه مسلمٌ مِن صحيحه اكتفاءً بغيره مِن أحاديث الباب أو لوقوفه على علَّته. والدارقطني هنا يشير إلى أنَّ مسلمًا لَمْ يضبط هذا السند، إذ تحرَّف عليه اسم «سعيد» فكتبه «شعبة» . ومِمَّا يؤكِّد صحة كلام الدارقطني أنَّ هذا الحديثَ قد رواه الحسنُ بن سفيان ( [4] ) عن محمد بن المثنى شيخِ مسلم، فأتى به على الصواب فقال: «سعيد» . وقد تابَعَ محمدَ بن المثنى في هذا الحديث أحمدُ بن حنبل ( [5] ) ، فرواه عن غندر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به.

[1] - تاريخ دمشق 14/ 278 فما بعد.

[2] - صحيح مسلم 607.

[3] - علل ابن عمار الشهيد 27.

[4] - صحيح ابن حبان 4699.

[5] - مسند أحمد 25166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت