54 -قوله (قط) : «مُسْنَدًا مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ» . اهـ
وقال في العلل: «ورواه الثوري، عن محمد بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، عن أم سلمة متصلًا» . وقال أيضًا: «ورواه عبد الواحد بن أيمن، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أم سلمة متصلًا، عن النبي صلى الله عليه وسلم» . اهـ
• قلتُ: الحُكم باتصال هذه الروايات إنما هو بحسب ظاهر الإسناد، وإلاَّ فالقول بأنها متصلةٌ حقيقةً فيه نظرٌ عندي. فأمَّا الثوري، فقد اختَلف عبدُ الرزاق ويحيى القطان عنه في صيغة إسناده:
-فقال القطان في روايته: عن أبي بكر، عن أم سلمة: أنَّ رسول الله لمَّا تزوج أم سلمة أقام عندها ثلاثًا. فهذه العنعنة ليست لاتصال الرواية، بدليل أنه لمَّا قَصَّ القصةَ أَنَّنَهَا وذَكَرَ أُمَّ سلمة بضمير الغائبة.
-ولذلك جاءت رواية عبد الرزاق هكذا: عن أبي بكر قال: مكث النبي عند أم سلمة ثلاثًا. مرسلًا. فهذا اختلافٌ في الظاهر فقط، لأنَّ القصة في نفسها مرسلة.
ومِثْلُ هذا يقال على حديث عبد الواحد بن أيمن، فقد اختَلَفَ حفصُ بن غياث وأبو نعيم وأبو أحمد الزبيري عنه في صيغة إسناده:
-فقال حفص في روايته: عن أبي بكر، عن أم سلمة: ذَكَرَ أنَّ رسول الله تزوَّجها. فهذه العنعنة أيضًا للقصة لا لاتصال الرواية، لأنَّ القائل: «ذَكَرَ» هو حفص، والذي ذَكَرَ هو أبو بكر. والقصة مؤنَّنةٌ كما ترى، وذُكِرَت فيها أُمُّ سلمة بضمير الغائبة أيضًا.
-ولذلك قال أبو نعيم والزبيري في روايتيهما: عن أبي بكر: أنَّ رسول الله خطب أُمَّ سلمة. مرسلًا. فَدَلَّ هذا على ما ذهبنا إليه.
وهذا مِمَّا ينبغي التنبُّه له، إذ العنعنة في بعض المسانيد ليست للاتصال وإنما لِذِكْرِ القصص والأخبار. فمَن مَشَى على ظاهر الإسناد جَعَلَ الحديثَ مِن مسند فلانٍ الصحابي، وليس هو مِن مسنده! كما جاء في حديث الحمار العقير الذي رواه عمير بن سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقد رواه جماعةٌ فقالوا فيه: عن عمير، عن البهزي، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال سليمان بن حرب ( [1] ) : «إنما الحديث عن عمير بن سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. والذين قالوا: (عن البهزي) إنما هو لأنَّ البهزي هو صاحب القصة، لا أنَّ عمير بن سلمة رواه عنه» . اهـ وقد نبَّه على هذه الدقيقةِ موسى بنُ هارون الحمَّال فقال ( [2] ) : «وكان عند المشيخة الأُوَل جائزًا يقولون: (عن فلان) ، وليس هو عن رواية فلان، وإنما هو عن قصة فلان وعن حديث فلان» . اهـ
وقد انتبه إلى هذا المعنى ابنُ حجر، فقال في نكته على ابن الصلاح في معرض كلامه على العنعنة ( [3] ) : «فاتَ المصنِّفَ حالةٌ أخرى لهذه اللفظة وهي خفيةٌ جدًّا قَلَّ مَن نبَّه عليها، بل لَمْ ينبِّه عليها أحدٌ مِن المصنِّفين في علوم الحديث مع شدة الحاجة إليها! وهي أنها تَرِدُ ولا يتعلَّق بها حكمٌ باتصالٍ ولا انقطاعٍ، بل يكون المراد بها سياق القصة سواءٌ أَدْرَكَها الناقلُ أو لَمْ يُدركها، ويكون هناك شيءٌ محذوفٌ مقدَّر. ومثال ذلك: ما أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه، عن أبيه قال: ثنا أبو بكر بن عياش: ثنا أبو إسحاق، عن أبي الأحوص:"أنه خَرَجَ عليه خوارجُ فقتلوه". فهذا لَمْ يُرِدْ أبو إسحاق بقوله (عن أبي الأحوص) أنه أخبره به، وإنما فيه شيءٌ محذوفٌ تقديرُه: (عن قصة أبي الأحوص) أو (عن شأن أبي الأحوص) أو ما أشبه ذلك. لأنه لا يمكن أن يكون أبو الأحوص حدَّثه بعد قَتْلِه!» . وذَكَرَ غيرَ هذا مِن الأمثلة وقولَ موسى بن هارون أيضًا، ثم قال: «وأمثلةُ هذا كثيرةٌ، ومَن تَتَبَّعَها وَجَدَ سبيلًا إلى التعقُّب على أصحاب المسانيد ومصنِّفي الأطراف في عدة مواضع يَتعيَّن الحَمْلُ فيها على ما وَصَفْنَا مِن المراد بهذه العنعنة» . اهـ وهو لعمري كما قال.
[1] - علل الدارقطني 3182.
[2] - السابق.
[3] - النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر 2/ 586 فما بعد.