فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 153

56 -قوله (قط) : «وَلَمْ يُخْرِجْ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ» . اهـ

• قلتُ: إذا أشار الدارقطني إلى صنيع البخاري في مقابلة صنيع مسلم، فهذا غالبًا تنبيهٌ مِنه إلى حنكة البخاري وصوابِه في ذلك الموضع المقصود. وقد مَرَّ عليك قوله في الحديث السابع عشر في هذا الجزء: «وصوابه موقوف، وقد تركه البخاري» . اهـ وسيأتي نظيرٌ له في الحديث التالي. وقال في كتاب التتبع في أحد أحاديث مسلم ( [1] ) : «وليس فيه أيضًا سماع محمد مِن عمران، وهو يقول في غير حديث: (نُبِّئْتُ( [2] ) عن عمران) والله أعلم. ولَمْ يُخرج البخاري لابن سيرين عن عمران شيئًا» . اهـ وقال في حديثٍ آخر ( [3] ) : «ولَمْ يُخرج مسلم غيرَ حديث وكيع، وهو وهمٌ. وأخرج البخاري أحاديثَ مَن خالَف، وأتى بالصواب» . اهـ وقال في آخر ( [4] ) : «وأخرجه البخاري، عن قتيبة، عن جرير، عن منصور، عن الحكم، عن سعيد. وهو الصواب» . اهـ

فأمَّا هذا الحديث فالبخاري إنما تَرَكَه لأنه ترجَّح عنده كونه مرسلًا، وبهذا أَعَلَّه صريحًا في تاريخه الكبير: فإنه لمَّا ذَكَرَ الاختلاف الحاصل في هذا الحديث، صوَّب حديثَ مالكٍ المرسلَ فقال عقبه ( [5] ) : «والحديث الصحيح هذا هو» . اهـ قال الرشيد العطار ( [6] ) : «وقد أورده البخاري رحمه الله في تاريخه مِن حديث الثوري مسندًا كما أورده مسلم، ثم قال عُقيبه:"قال لنا إسماعيل: حدثني مالك"، وذكر الإسناد الذي قدمناه عنه مرسلًا، ثم قال:"الصحيح هذا"» . اهـ

وقال الزركشي ( [7] ) : «في نسبة القول بتقديم الوصل إلى البخاري مطلقًا لأجْل هذا نظرٌ: فإنه في تاريخه أخرج حديث الثوري، عن محمد بن أبي بكر بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: {إن شئتِ سبَّعتُ عندك} . ثم قال عقبه: أخبرنا إسماعيل: حدثني مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، [عن عبد الملك، عن أبي بكر] ( [8] ) بن الحارث بن هشام: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرسلًا. ثم قال:"الصحيح هذا". وقد أخرج مسلم حديث الثوري حكمًا منه بصحة الوصل، وكذلك حُكي عن الدارقطني. فيظهر مِن ذلك أنَّ البخاري لا يقدِّم الوصلَ مطلقًا ولا الإرسال مطلقًا، بل يرجع إلى قرائن مِمَّا سبق أو غيرها» . اهـ وقال ابن حجر نحوه ( [9] ) ، واستفادته مِن الزركشي ظاهرة.

وقد اعترض الشيخ المدخلي على هذا الفهم، ورأى أنَّ البخاري إنما قَصَدَ تصحيح المتن فحسب ولَمْ يتطرَّق إلى الإسناد. فقال ( [10] ) : «فرجعتُ إلى تاريخ البخاري فتأمَّلْتُ كلامه، فاتضح لي مِنه أنه لا يرجح الإرسال على الوصل في هذا الحديث، وأنَّ كلامه لا يتعلق بالإسناد وإنما يتعلق بالمتن. وذلك أن سفيان الثوري قد قال فيه: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا تزوج أم سلمة أقام عندها ثلاثًا، وقال: {إنه ليس بك على أهلك هوان، إن شئتِ سبَّعتُ لك} . ثم عقَّبه البخاري بحديث مالك، وليست فيه جملة: (فأقام عندها ثلاثًا) ، فقال:"قال أبو عبد الله: والحديث الصحيح هذا هو". يعني حديث إسماعيل عن مالك الخالي مِن هذه الجملة. ثم ساق روايات متصلة ومرسلة، وليست فيها هذه الجملة. ثم قال عقبها جميعًا:"ولَمْ يتابَع سفيان أنه أقام عندها ثلاثًا"» . ثم قال: «فنلاحظ أنَّ البخاري إنما حشد هذه الروايات - متصلها ومرسلها - ليثبت أنَّ سفيان قد انفرد بالجملة المذكورة آنفًا، وأنها لَمْ تَرِدْ في روايةٍ مِن هذه الروايات. فلو كان يريد ما فهمه ابنُ حجر - وهو ترجيح الوصل على الإرسال - فكيف يقول وقد ساق الحديثَ عن سفيان نفسِه مِن طريقَي الإرسال والوصل:"والحديث الصحيح هذا هو"يعني حديث إسماعيل، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، الذي اشترك في روايته مالك وسفيان؟ وكيف يؤيد روايةَ مالك المرسلة برواية حبيب بن أبي ثابت المتصلة؟ وإذن فكلام البخاري كله إنما يدور حول هذه الجملة، وأنَّ سفيان قد انفرد بها. ولا شأن له بالإرسال والاتصال في الإسناد» . اهـ

• قلتُ: مَن يتأمَّل صنيعَ البخاري في استعراضه الاختلافات يدرك أنَّ تصويبه حديث مالك لَمْ يكن مقيَّدًا، وهذا يعني أنَّ أصح هذه الروايات عند البخاري هو ما رواه مالك بإسناده ولفظه. وأمَّا على فَهْمِ الشيخ، فيكون تخصيصُ البخاريِّ حديثَ مالك بالتصحيح حينئذٍ لا معنى له، لأنَّ باقي المتون المذكورة قد سَلِمَتْ مِن هذه الزيادة هي أيضًا. فأَيَّةُ ميزةٍ إذًا لحديث مالك حتَّى يرجِّحه البخاري لو كان ذلك كذلك! على أنَّ قولَ الشيخ في حديث الثوري: «ثم عقَّبه البخاري بحديث مالك» وكذا قولَه لاحقًا: «وقد ساق الحديثَ عن سفيان نفسِه مِن طريقَي الإرسال والوصل» وقولَه: «عبد الله بن أبي بكر الذي اشترك في روايته مالك وسفيان» ، كل هذا ناتجٌ عن عدم تأمُّل. فإنَّ البخاري قد ذَكَرَ أولًا حديث الثوري عن محمد بن أبي بكر لأنَّ الكلام على هذا الحديث هو في ترجمة محمد هذا. ثم عقَّبه البخاري بحديث سفيان عن عبد الله بن أبي بكر، وحديثِ مالك عن عبد الله بن أبي بكر. فَظَنَّ الشيخُ أنَّ سفيان هذا هو نفسه الثوري، فقال إنَّ الحديث قد جاء عنه متصلًا ومرسلًا. والصحيح أنَّ سفيان هذا هو ابن عيينة كما تبيَّن في التخريج مِن قبلُ، وروايته مخالفةٌ لرواية الثوري سندًا ومتنًا. ولو أنَّ الشيخ جمع طرق الحديث، لَمَا التبس عليه الأمر. وشيءٌ آخر وهو أنَّ ابن حجر إنما فَهِمَ مِن صنيع البخاري ترجيح الإرسال على الوصل، لا الوصل على الإرسال كما قَلَبَه الشيخ.

فعُلم أنَّ البخاري هنا إنما يصوِّب روايةً بعينها، لا سيما وأنَّ أبرز هذه الاختلافات إنما جاءت في وصل الحديث وإرساله وهي عِلَّةٌ إسنادية. فإذا ذَكَرَ البخاريُّ هاتيك الروايات ثم اختار روايةً مِنها ورجَّحها، فكيف يقال إنَّ ترجيحه لا علاقة له بالإسناد! والبخاري بعد أن صوَّب رواية مالك المرسلة، نبَّه أيضًا على تفرُّد الثوري بهذه اللفظة، وهي عِلَّةٌ متنية. فجاء كلامُه مشتملًا على علل الحديث سندًا ومتنًا. ولو قَصَدَ الكلامَ على المتن فقط لاكتفى بإعلال لفظ الثوري، ولَمَا رجَّح رواية مالك على وجه الخصوص. والله أعلم.

[1] - الإلزامات والتتبع للدارقطني ص177.

[2] - في المطبوع والنسخة الخطية: «ظننت» ، وهو تحريفٌ ظاهرٌ ولا معنى له! والتصويب مِن علل الدارقطني 1819.

[3] - السابق ص220.

[4] - السابق ص338.

[5] - التاريخ الكبير للبخاري 1/ 47.

[6] - غرر الفوائد المجموعة للرشيد العطار ص307.

[7] - النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي 2/ 62 فما بعد.

[8] - عبارة: «عن عبد الملك، عن أبي بكر» ساقطة مِن المطبوع. والتصويب مِن تاريخ البخاري. والظاهر أنَّ هذا الوهم لانتقال نظر الناسخ، والله أعلم.

[9] - النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر 2/ 608.

[10] - بين الإمامين للمدخلي ص267.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت