57 -قوله (مس) : «وَإِذَا جَوَّدَهُ ثِقَاتٌ وَقَصَّرَ بِهِ ثِقَاتٌ أَيْضًا وَبَيَّنَهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ عَيْبٌ فِي ذَلِكَ» . اهـ
• قلتُ: وهو جوابٌ كرَّره أبو مسعود في مِثل هذه الاختلافات، ونَسَجَ مَن جاء بعده على منواله. قال النووي ( [1] ) : «قال الدارقطني: قد أرسله عبد الله بن أبي بكر وعبد الرحمن بن حميد كما ذكره مسلم. وهذا الذي ذكره الدارقطني مِن استدراكه هذا على مسلم فاسدٌ، لأنَّ مسلمًا رحمه الله قد بيَّن اختلاف الرواة في وصله وإرساله. ومذهبه ومذهب الفقهاء والأصوليين ومحقِّقي المحدِّثين أنَّ الحديث إذا رُوي متصلا ومرسلًا، حُكم بالاتصال ووجب العمل به لأنها زيادةُ ثقةٍ وهي مقبولة عند الجماهير. فلا يصحُّ استدراك الدارقطني» . اهـ وهذا قد رَدَدْنا عليه في الحديث السادس عشر.
وقد حَكَمَ ابنُ عبد البر عند كلامه على حديث مالك باتصاله مِن وجهٍ آخر، فقال ( [2] ) : «هذا حديثٌ ظاهِرُه الانقطاع، وهو متصلٌ مسندٌ صحيحٌ قد سمعه أبو بكر مِن أم سلمة» . ثم ساق حديثَ ابن جُرَيْج عن حبيب مستدلًا به على السماع. فكأنه لَمْ ينتبه إلى الطُّرُق التي أخرجها مسلم، أو رآها غيرَ صريحةٍ في الاتصال. والله أعلم.
وقال الرشيد العطار بعد أن ذَكَرَ الوجوه المتصلة والمرسلة التي أخرجها مسلم ( [3] ) : «وإنما أراد بذلك والله أعلم لِيُبيِّن الاختلاف الواقع في إسناده بين رواته، ويَخرج مِن عهدته .. وقد حَكَى بعضُ العلماء عن الدارقطني أنه حَكَمَ بصحة حديث الثوري الذي أسنده. ولو لَمْ يكن كذلك لَمَا أخرجه مسلم» . اهـ وهذا هو أَعْدَلُ الأقوال في صنيع مسلم وهو أنه يصحِّح الحديثَ مع بيان الاختلافات فيه حتى لا يُظنَّ أنها قد خَفِيَت عليه، لا أنَّ مذهبَه هو الحُكم للواصل على المرسِل لِكونها زيادةَ ثقةٍ كما يقال.
وقد ذهب غيرُهم مذهبًا آخر وهو أنَّ مسلمًا إنما أخرج الحديثَ مِن هذه الوجوه إعلالًا له، لا أنه يصحِّحه. فقد قال القاضي عياض بعد أن أشار إلى الاختلاف في هذا الحديث ( [4] ) : «وهو مِمَّا تتبَّعه الدارقطني على مسلم. قال القاضي: ولا تتبُّع على مسلم فيه، إذ قد بيَّن عِلَّته. وهذا يدلُّ على ما ذكرناه أولَ الكتاب أنَّ ما وَعَدَ به مِن ذِكْرِ عِلل الحديث قد وفَّى به وذَكَرَه في الأبواب، خلاف مَن ذَهَبَ إلى أنه مات قبل تمام الكتاب، على ما ذهب إليه أبو عبد الله الحاكم» . اهـ وكلام الحاكم الذي أشار إليه عياض قد ذكره في مدخله إلى الصحيح، فقد قال ( [5] ) : «فأمَّا مسلم فقد ذَكَرَ في خطبته في أول الكتاب قَصْدَه فيما صنَّفه ونحا نحوه، وأنه عَزَمَ على تخريج الحديث على ثلاث طبقاتٍ مِن الرواة. فَلَمْ يُقَدَّر له رحمه الله إلاَّ الفراغ مِن الطبقة الأولى مِنهم» . اهـ وقول الحاكم شبه لا شيء، ويَظهر مِنه أنه لَمْ يُنعِم النظر في خطَّة أبي الحسين في كتابه.
يقول مسلم في مقدمة الصحيح عن شَرْطِه في التأليف ( [6] ) : «وهو أنَّا نعمد إلى جملةِ ما أُسند مِن الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقسمها على ثلاثة أقسامٍ وثلاث طبقاتٍ مِن الناس ... فأمَّا القسم الأول: فإنَّا نتوخَّى أن نقدِّم الأخبارَ التي هي أسلم مِن العيوب مِن غيرها وأنقى مِن أن يكون ناقلوها أهل استقامةٍ في الحديث وإتقانٍ لِمَا نقلوا .. فإذا نحن تقصَّينا أخبار هذا الصنف مِن الناس، أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعضُ مَن ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان .. فَعَلَى نحو ما ذَكَرْنا مِن الوجوه نؤلِّف ما سألتَ مِن الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأمَّا ما كان مِنها عن قومٍ هم عند أهل الحديث متهمَّون أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم .. وكذلك مَن الغالبُ على حديثه المنكرُ أو الغلطُ أمسكنا أيضًا عن حديثهم .. فلسنا نعرِّج على حديثهم ولا نتشاغل به» . اهـ
وهذا صريحٌ في أنَّ مسلمًا قد أخرج حديثَ الطبقة الأولى وهم الثقات الذين يُحتجُّ بهم، ثم أَتْبَعَه بحديث الطبقة الثانية وهم أهل الصدق والستر الذين يُعتبر بهم، وعلى هذا أَلَّف صحيحَه. وأمَّا الطبقة الثالثة مِن الرواة فهُم المتروكون، ونَصَّ على أنه لَمْ يُخرج لهم شيئًا ولا عرَّج على حديثهم. فيتبيَّن مِن هذا أنَّ تقسيمَه للأحاديث إلى ثلاثة أقسام إنما هو تقسيمٌ عامٌّ، وأمَّا في صحيحه خاصةً فلَمْ يُخرج إلاَّ القسمين الأول والثاني وطَرَحَ الثالثَ. وهذا يُبطل ما ذهب إليه الحاكم.
[1] - شرح مسلم للنووي 10/ 43.
[2] - التمهيد لابن عبد البر 17/ 243 فما بعد.
[3] - غرر الفوائد المجموعة للرشيد العطار ص307.
[4] - إكمال المعلم للقاضي عياض 4/ 663.
[5] - المدخل إلى الصحيح للحاكم 1/ 141.
[6] - صحيح مسلم 1/ 4 فما بعد.