وأمَّا عن ذِكْر مسلمٍ لعِلَل الأحاديث، فإنه قال في مقدمته بعد بيان طبقات الرواة ( [1] ) : «قد شرحنا مِن مذهب الحديث وأهله بعضَ ما يتوجَّه به مَن أراد سبيلَ القوم ووُفِّق لها. وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحًا وإيضاحًا في مواضع مِن الكتاب عند ذِكْر الأخبار المعلَّلة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى» . اهـ وقد تمسَّك بهذا القاضي عياض، فقال في مقدمةِ شَرْحِه في الموضع الذي أحال عليه آنفًا ( [2] ) : «وكذلك أيضًا عِلَل الحديث التي ذَكَرَ ووَعَدَ أنه يأتي بها، قد جاء بها في مواضعها مِن الأبواب: مِن اختلافهم في الأسانيد، والإرسال والإسناد، والزيادة والنقص، وذِكْر تصاحيف المصحِّفين. وهذا يَدُلُّ على استيفاء غرضه في تأليفه وإدخاله في كتابه كلَّ ما وَعَدَ به» . اهـ
فأمَّا عن استيفاء مسلم لِمَا وَعَدَ به في المقدمة، فهذا ثابتٌ في مواضع مِن صحيحه، وإن كان كلامُه في تلك المواضع مختصرًا بحسب ما يقتضيه المقام. وهو قد صرَّح في مقدمته أنه لَمْ يتوسَّع في كتابه حتى يسهل الانتفاع به لعوام الناس، وبالتالي فتوضيحه لبعضِ عللِ الأحاديث في كتابه إنما هو موجَّهٌ إلى خاصةٍ مِن الناس وَهُم العارفون بهذا الشأن، وهؤلاء يكفيهم الإيجاز في العبارة.
فمِن أمثلةِ كلامه على العلل: تنبيهه على الوهم في الأسانيد كقوله ( [3] ) : «وقوله (عن أبيه) في هذا الحديث خطأ» . اهـ والزيادة في المتون كقوله ( [4] ) : «وفي حديث حماد بن زيد زيادةُ حرفٍ تركنا ذِكْرَه» . اهـ وقوله ( [5] ) : «وساقوا الحديثَ بمعنى حديث كهمس وإسنادِه، وفيه بعضُ زيادةٍ ونقصانُ أحرُف» . اهـ وقوله ( [6] ) : «وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البناني، وقدَّم فيه شيئًا وأخَّر وزاد ونقص» . اهـ والمخالفة في المتون كقوله ( [7] ) : «أمَّا حديث ابن جُرَيْج، فاتفق لفظه مع حديث مالك لَمْ يختلفا إلا في حرفين. قال ابن جُرَيْج مكان (قيام) : (قيم) ، وقال: (وما أسررت) . وأما حديث ابن عيينة، ففيه بعض زيادةٍ ويخالف مالكًا وابن جُرَيْج في أحرف» . اهـ وقوله ( [8] ) : «وساق الحديث بهذا المعنى، إلا في قصة الإهلال فإنه خالف رواية المقبري، فذَكَرَه بمعنى سوى ذِكْرِه إياه» . اهـ وقوله ( [9] ) : «وخالف قتيبةُ محمدًا في الحديث في حرفين» . اهـ وقوله ( [10] ) : «وقال: (في شعبة مِن هذه الشعاب) خلاف رواية يحيى» . اهـ وتنبيهه على الإدراج كقوله ( [11] ) : «إلى آخر الحديث مِن قول الشعبي، مفصلًا مِن حديث عبد الله» . اهـ وتنبيهه على التحريف كقوله ( [12] ) : «أخطأ حيث قال: (عروة) ، إنما هو مولى (عزة) » . اهـ
فهذا كما تَرَى جاء مِن مسلم على سبيل الشرح والإيضاح كما نبَّه في مقدمة الكتاب، وهذه المواضع وغيرها صريحةٌ في أنه وفَّى بما وعد به في المقدمة. وإنما وقع الخلاف في المواضع التي يَذكر فيها الاختلافات ولا يصرِّح بشيء: فالجمهور حَمَلَها على أنه ذَكَرَها للبيان مع تصحيحه للحديث، وأمَّا القاضي عياض فقال إنه ذَكَرَها على سبيل الإعلال. واتكأ على هذا في غير موضعٍ مِن شرحه عند التعرُّض لِمَا انتقده الدارقطني على مسلم، فقال في أحد الأحاديث ( [13] ) : «والذي عندي إنما ذَكَرَ مسلمٌ حديثَ محمد بن عباد ليستشهد به على رواية وكيع لموافقته له في إسناد الحديث، وهذا ومثله يبيِّن أنَّ مسلمًا استوفى في كتابه الأقسام التي أشار إليها والعلل التي وعد بذكرها. خلاف ما ذهب إليه الحاكم أبو عبد الله مِن تأويله أنه مات قبل أن يؤلف مِن ذلك إلاَّ الضرب، وقد بيَّنَّا هذا أول الكتاب» . اهـ وقال في حديثٍ آخر ( [14] ) : «وأرى مسلمًا أدخل هذه الروايات ليبيِّن الخلاف فيها، وهي وشبهها عندي مِن العلل التي وعد بذكرها في مواضعها. وظَنَّ ظانُّون أنه يأتي بها مفردةً، فقالوا: توفِّي قبل تأليفها. وقد بسطنا هذا صدر الكتاب» . اهـ
وقد انتصر لهذا الرأي مِن المعاصرين الشيخ المليباري، واعتضد بما ذكره القاضي في مقدمة شرحه وفي تضاعيفه. وليس الخلاف هنا في كون مسلم قد تكلَّم على العلل في صحيحه أم لا، فقد ثبت مِمَّا أوردناه آنفًا وغيرِه أنَّ هذا واقعٌ لا محالة. وإنما الخلاف في المواضع التي لَمْ يصرِّح فيها مسلمٌ بشيء: أهي صحيحةٌ عنده أم معلولة؟ والذي عندي أنه يَرَى صحَّتها جريًا على المعهود مِن سَرْدِه للأحاديث في صحيحه، وكذا فَهِمَ الدارقطنيُّ مِن صنيع مسلم أنه يصحِّح هذه الأحاديث. ولو كان مسلمٌ أخرجها مُعِلاًّ لها، فَلأيِّ شيءٍ استدركها عليه الدارقطني! وقد التفت المليباري إلى هذا الاعتراض وحاول الجواب عنه.
يقول المليباري ( [15] ) : «وطبيعيٌّ جدًّا أن يُطرح هنا سؤال: إن كان الإمام مسلم يبيِّن العلل على سبيل الاستطراد حسب ما أعلنه في مقدمة كتابه، فما وجه الانتقادات الموجَّهة نحوه مِن قِبَل الإمام أبي مسعود الدمشقي والإمام الدارقطني وغيرهما مِن الأئمة؟ حيث إنَّ الانتقاد لن يكون مِنهم إلاَّ على أساسِ خَرْقِ الإمام مسلم لمنهجه إذ اشترط فيه صحة الأحاديث في كتابه كله. ولو كانت تلك الأحاديث المنتقدة لَمْ يَذكرها مسلم إلاَّ لشرحِ عِلَلِها، لَمَا وُجد وجهٌ للانتقاد والطعن إذن! أقول: هذا سؤالٌ وجيهٌ وجديرٌ بالإجابة. وقد ألَّف الإمام الدارقطني كتابًا أسماه (التتبع) ، وأوضح فيه موضوعه ومضمونه. يقول الدارقطني في مستهل كتابه (التتبع) :"ابتداء ذِكْر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو أحدهما بيَّنتُ عللها والصواب منها". وهذا النص واضحٌ جدًّا في موضوع هذا الكتاب: هو ذِكْر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو أحدهما مع بيان عللها والصواب منها. وأنه لَمْ يلمِّح فيه إلى أنَّ الانتقاد سوف يوجَّه صوب صنيع الشيخين في صحيحيهما على أساس أنَّ كلاًّ مِنهما قد أَخَلاَّ بشروط كتابيهما، لأنه قال:"اشتمل عليها"ولَمْ يوضِّح على أيِّ وجهٍ اشتمل عليها. وهو شاملٌ لجميع أنواع الأحاديث، سواءٌ اشتمل عليها على وجه الاحتجاج أم على وجه الاستئناس والاحتياط والاستشهاد أم على وجه التتبع وشرح العلل. ولم يقل رحمه الله:"ذِكْر أحاديث معلولة احتجَّ بها كلٌّ مِنهما في أصولهما"» . اهـ
ثم قسَّم الأحاديث التي انتقدها الدارقطني إلى أنوع: فمِنها الأحاديث التي احتجَّ بها البخاري ومسلم، ومِنها ما أورده كلٌّ مِنهما في المتابعات، ومِنها ما أورده كلٌّ مِنهما على سبيل الاحتياط أو الاستئناس، ومِنها ما أورده كلٌّ مِنهما على سبيل التتبع وبيان العلل، ومِنها ما ذكره مسلم في المقدمة. وقال إنَّ النوع الأول هو الوحيد الذي التزم فيه الشيخان بشروطهما، وعدد أحاديثه المنتقدة قليلةٌ جدًّا بالنسبة إلى سائر الأنواع. ثم قال: «وغاية ما يقال بالنسبة إلى هذه الأنواع أنَّ الإمام الدارقطني أوضحَ السببَ الذي كان يَدفع كلاًّ مِن البخاري ومسلم إلى أن يذكرا الأحاديث على ذلك النحو: هو وجود علةٍ فيها. وفي نفس الوقت فإنَّ الإمام الدارقطني يفيدنا أيضًا مِن خلال تتبُّعه لأحاديث الصحيحين دقة الشيخين في تصحيح الأحاديث وتعليلها ووضعها في مواضعها اللائقة مِن الصحيح. أمَّا البخاري فكثيرًا ما يرويها معلَّقةً، بينما يوردها مسلم في أواخر الباب» . اهـ
وهذا الذي ذَكَرَه فيه نظر، إذ أين أوضح الدارقطني أنَّ سببَ إخراجِ الشيخين لهذه الأحاديث كونها معلولةً عندهما؟ هو ما استدركها عليهما إلاَّ لأنهما قد ارتضياها في صحيحيهما، سواءٌ صدَّرا بها الأبواب أو أورداها في المتابعات والشواهد. ولا يَعني انتقادُ الدارقطني في الغالب أنَّ الشيخين لَمْ يَقِفا على علل هذه الأحاديث، وإنما هو يخالفهما في اجتهادهما ويَذكر مِن الروايات والطرق ما يدلِّل على أنَّ الصواب خلاف ما ذكراه. ويتجلَّى هذا عند اعتضاده بعدم إخراج البخاري للحديث المنتقد عند مسلم، لأنَّ فيه تنبيهًا على أنَّ البخاري قد تَرَكَ هذا الحديث لأنه معلولٌ بينما أخرجه مسلم على علَّته.
ومِمَّا يُستغرب في كلام الشيخ ذِكْرُه معلَّقات البخاري، مع أنَّ الدارقطني لَمْ يتعرَّض لها لِعِلْمِه بأنها ليست مِن موضوع الكتاب. بخلاف الأحاديث التي أسندها مسلم وإن جاءت في أواخر الأبواب، لأنها غير منفصلةٍ عن موضوع كتابه. وهذا ما يبيِّن عدم دقة الشيخ في تفسير لفظة الاشتمال التي ذكرها الدارقطني في صدر كتاب التتبع، لأنَّ المعلقات والموقوفات قد اشتمل عليها صحيح البخاري أيضًا، ومع ذلك لَمْ يتطرَّق الدارقطني إليها. وهذا يعني أنَّ مقصود الدارقطني مِن انتقاده هو ما أخرجه الشيخان على رسم الصحيح بحسب ما اشترطاه في عنوان الكتابين.
وإنك إذا تأملتَ صنيع مسلم في هذا الحديث، لوقفتَ على موقفه مِن هذه الروايات:
> فقد بدأ بذِكْر حديث الثوري، عن محمد بن أبي بكر، عن عبد الملك، عن أبيه، عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
> ثم ذكر حديث مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك، عن أبيه: أنَّ رسول الله، مرسلًا.
> ثم حديث عبد الرحمن بن حميد، عن عبد الملك، عن أبي بكر: أنَّ رسول الله، مرسلًا.
> ثم حديث حفص، عن عبد الواحد، عن أبي بكر، عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فصدَّر البابَ بحديث الثوري احتجاجًا به، وأورد الوجوه الأخرى ليبيِّن أنها وإن كان بعضُها مرسلًا إلاَّ أنها لا تقدح عنده في اتصال الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك استدركه عليه الدارقطني، لأنه وَجَدَ في هذه الطرق ما يقدح في الاتصال. فهذا يبيِّن أن جواب القاضي عياض ومَن وافَقَه لا ينهض. والله أعلى وأعلم.
[1] - صحيح مسلم 1/ 7.
[2] - إكمال المعلم للقاضي عياض 1/ 87.
[3] - صحيح مسلم 711.
[4] - صحيح مسلم 333.
[5] - صحيح مسلم 8.
[6] - صحيح مسلم 162.
[7] - صحيح مسلم 769.
[8] - صحيح مسلم 1187.
[9] - صحيح مسلم 1802.
[10] - صحيح مسلم 1889.
[11] - صحيح مسلم 450.
[12] - صحيح مسلم 1471.
[13] - إكمال المعلم للقاضي عياض 6/ 465.
[14] - السابق 5/ 369.
[15] - عبقرية الإمام مسلم للمليباري ص48 فما بعد.