فهرس الكتاب
قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: يَا رَبِّ أَيَّ شَيْءٍ وَضَعْتَ فِي الْأَرْضِ أَقَلَّ؟ قَالَ: «الْعَدْلُ أَقَلُّ مَا وَضَعْتُ فِي الْأَرْضِ , فَلَا يَمْنَعُكَ غِنَى غَنِيٍّ وَلَا فَقْرُ فَقِيرٍ أَنْ تَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَا تَعْلَمُ , فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ» .
وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا}
وَقَدْ قِيلَ: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا} الْآيَةُ , أُرِيدَ: فَاللَّهُ أَوْلَى بِغِنَى الْغَنِيِّ وَفَقْرِ الْفَقِيرِ , لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ لَا مِنْ غَيْرِهِ , فَلِذَلِكَ قَالَ {بِهِمَا} , وَلَمْ يَقُلْ: بِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا قِيلَ {بِهِمَا} لِأَنَّهُ قَالَ: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا} فَلَمْ يَقْصِدَ فَقِيرًا بِعَيْنِهِ وَلَا غَنِيًّا بِعَيْنِهِ , وَهُوَ مَجْهُولٌ , وَإِذَا كَانَ مَجْهُولًا جَازَ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ. وذَكَرَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: «فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمْ» .
وَقَالَ آخَرُونَ: (أَوْ) بِمَعْنَى الْوَاوِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: جَازَ تَثْنِيَةُ قَوْلِهِ {بِهِمَا} , لِأَنَّهُمَا قَدْ ذُكِرَا كَمَا قِيلَ: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا}
وَقِيلَ: جَازَ لِأَنَّهُ أَضْمَرَ فِيهِ مَنْ كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنْ يَكُنْ مَنْ خَاصَمَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا , بِمَعْنَى: غَنِيَّيْنِ أَوْ فَقِيرَيْنِ , فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا. وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ {فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} أَيْ عَنِ الْحَقِّ , فَتَجُورُوا بِتَرْكِ إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ. وَلَوْ وُجِّهَ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: فَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ أَنْفُسِكُمْ هَرَبًا مِنْ أَنْ تَعْدِلُوا عَنِ الْحَقِّ فِي إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ بِالْقِسْطِ كَانَ وَجْهًا.
وَقَدْ قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى لِتَعْدِلُوا , كَمَا يُقَالَ: لَا تَتَّبِعْ هَوَاكَ لِتُرْضِيَ رَبَّكَ , بِمَعْنَى: أَنْهَاكَ عَنْهُ كَمَا تُرْضِي رَبَّكَ بِتَرْكِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}