وهنا أمر ونهى"أصلح"هي أمر، و"لا تتبع"هي نهي، ونعرف أن كل تكاليف الحق سبحانه وتعالى محصورة في"افعل كذا"، و"لا تفعل كذا"، ولا يقول الحق للمكلَّفين:"افعلوا كذا"إلا إذا كانوا صالحين للفعل ولعدم الفعل، وإن قال لهم:"لا تفعلوا"فلابد أن يكونوا صالحين للفعل ولعدم الفعل، ولذلك أوضحنا من قبل ان الله ركز كل التكاليف في مسألة آدم وحواء في الجنة فقال: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} ، وكان هذا هو الأمر. وقال: {وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة} ، وهذا نهي: {وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين} .
وكلمة"أصلح"تستلزم أن يبقى الصالح على صلاحه فلا يفسده، وإن شاء الله يزيد فيه صلاحاً فليفعل.
وقوله: {وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين} لأنه قول موجه لنبي وهو هارون، لا يتأتى منه الإِفساد، ولكنَّ موسى أعلمه أنه ستقوم فتنة بعد قليل، فكأن موسى قد ألهم أنه سيحدث إفساد، فقصارى ما يطلبه من أخيه هارون ألاَّ يتبع سبيل المفسدين، ولذلك سيقول هارون بعد ذلك مبرراً تركه بني إسرائيل على عبادة العجل بعد أن بذل غاية جهده في منعهم وإنذارهم حتى قهروه واستضعفوه ولم يبق إلا أن يقتلوه. { ... إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 94] . انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ}