ورابعها: أن كلام الله تعالى كله حقّ وصواب، وكلّ حقّ فله حقيقة، وكلّ ما كان حقيقة فلا يدخله المجاز، وهذا هو المطلوب.
«والجواب» أنا قد أوضحنا بالبرهان العقلّى جوازه وأوردنا من الأمثلة في وقوعه في خطاب الله تعالى ما لا مدفع له إلا بالمكابرة والإنكار والمنكارة.
قوله أولا: إنه يؤدّي إلى وصفه بأنه متجوّز مستعير، قلنا: هذا فاسد لأمرين، أما أولا: فلأن إجراء الأوصاف الإلهية موردة بالشرع، فما أذن فيه أطلقناه، وما سكت عنه توقّفنا في حاله، وأما ثانيا: فلعلّ هذه الأوصاف توهم الخطأ مع صحة إجرائها عليه فلا جرم توقفنا في إطلاقها.
وأما قوله ثانيا: إنه لا فائدة في العدول عن الحقيقة، فقد قرّرنا فيما سلف الباعث على التكلم بالمجاز. وذكرنا هناك أغراضا حكمية تبعث عليه.
وأمّا قوله ثالثا: إنّ المجاز يؤدي إلى اللبس، قلنا: إنه لا لبس مع وجود القرينة، والمجازات لا تنفكّ عن القرائن الحالية والمقالية، كما سنذكر من بعد هذا بمعونة الله.
وأما قوله رابعا: إن كلام الله تعالى حق، قلنا إن كلام الله حقّ على معنى أنه صدق لا يجوز فيه كذب، لا من أجل كون ألفاظه مستعملة في موضوعاتها الأصلية، فأين أحدهما من الآخر، وفيه وقع النزاع فبطل ما قالوه.
(فائدة)
ومما يمكن تنزيله على هذين الوجهين في الخيال، والتحقيق، قوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) [سورة الإسراء: 24]
فإذا جعلته من باب التخييل، فتقريره هو أن الله تعالى أمر الولد بأن يلين لهما جانبه، ويتواضع لهما، فاستعار لفظ الجناح، منبها به على التخييل في الاستعارة بطريق المبالغة في طلب أن يكون الولد لأبويه، كالطائر لفرخه في فرط حنوه عليه وتعطفه على محبته، فجعل الذل طائرا على طريق الاستعارة، ثم أخذ الوهم في تصوير ما للمستعار من الآلات والجوارح، ثم أضاف اسم الجناح إلى الذل، رعاية لمزيد البيان، وإفراطا في تحصيل البلاغة. وإذا جعلته من باب التحقيق فتقريره أنه لما أراد المبالغة في لين الجانب للأبوين من جهة الولد، استعار لفظ الجناح للتذلل والتواضع، ونزله منزلة الجناح في التصاقه بالتراب وإسباله في التغطية للفرخ، مبالغة في لين العريكة، وحسن التذلل للوالدين.
(وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً(59)
(مبصرة) أي آية مبصرة ولم يرد الناقة، فإنها لا معنى لوصفها بالبصر، وإنما أراد أنها معجزة واضحة لم يفكّر فيها.