الكثرة لا تُفيد إن لم تكن ذاتَ قِيمة، وثوابت تربَّت عليها، والرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان مُقدمًا على مرحلةٍ جديدة، مرحلة الهِجرة، والانطلاق لبناء الدَّولة، يريد الله تعالى لِلَّبِنَات الأولى في البناء أن تكونَ سليمةً قوية، متراصَّةً متماسكة، فجعل الله هذا الاختبارَ والتمحيص؛ ليخلِّص الصف من الضعاف المتردِّدين، والذين في قلوبهم مرَض، ويثبِّت المؤمنين الأقوياء الخُلَّص، الذين لمسوا عيانًا صِدق نبيهم بعد أن لَمَسوه تصديقًا، وشهِدوا مدى كرامته على ربِّه، فأيّ حظٍّ يحوطهم، وأيّ سعد يغمرهم، وهم حول هذا النبي المصطفى وقدْ آمنوا به، وقدَّموا حياتهم فداءً له ولدِينهم؟! كم يترسَّخ الإيمان في قلوبهم أمامَ هذا الحدَث الذي تم بعدَ وعْثاء الطائف، وبعدَ دخول مكة بجوارٍ، وبعد أذَى الصبيان والسفهاء [11] .
8 -المعراج الروحي للمسلم:
إذا كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد عرَج به إلى السموات العُلَى، فلديك يا أخي المسلِم معراجٌ رُوحيٌّ تستطيع أن ترقَى به إلى ما شاء الله - عزَّ وجلَّ - بواسطة الصلاة، هديَّة الإسراء والمعراج، التي يقول الله - تبارك تعالى - فيها في الحديث القُدسي الجليل:
(( قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبْدي نِصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد:"الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ"، قال الله تعالى: حَمِدني عبْدي، وإذا قال:"الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، قال الله تعالى: أثْنَى عليَّ عبدي، وإذا قال:"مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ"، قال: مجَّدني عبدي - وقال مرَّةً: فوَّض إليَّ عبدي - فإذا قال:"إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"، قال: هذا بيْني وبيْن عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال:"اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ"، قال: هذا لعبْدي ولعبْدي ما سأل ) ).
المسلِم وهو يُصلِّي يستطيع أن يرْتقي حتى يكادَ يسمع هذه الكلمات مِن الله - تبارك وتعالى - الصلاة هي مِعراج المسلِم إلى الله - تبارك وتعالى.