لأن رحمتك بهما لا تَفيِ بما قدّموه لك ، ولا ترد لهما الجميل ، وليس البادئ كالمكافئ ، فهم أحسنوا إليك بداية وأنت أحسنتَ إليهما ردّاً ؛ لذلك ادْعُ الله أنْ يرحمهما ، وأنْ يتكفل سبحانه عنك برد الجميل ، وأن يرحمهما رحمة تكافئ إحسانهما إليك.
وقوله تعالى: كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً.. { [الإسراء: 24]
كما: قد تفيد التشبيه ، فيكون المعنى: ارحمهما رحمة مثل رحمتهما بي حين ربياني صغيراً. أو تفيد التعليل: أي ارحمهما لأنهما ربياني صغيراً ، كما قال تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ..} [البقرة: 198]
و رَبَّيَانِي هذه الكلمة أدخلت كل مُربٍّ للإنسان في هذا الحكم ، وإنْ لم يكُنْ من الوالدين ، لأن الولد قد يُربّيه غير والديه لأيِّ ظرف من الظروف ، والحكم يدور مع العلة وجوداً وعَدماً ، فإنْ ربّاك غير والديك فلهما ما للوالدين من البرِّ والإحسان وحُسْن المعاملة والدعاء.
وهذه بشرى لمن رَبَّى غير ولده ، ولاسيما إنْ كان المربَّى يتيماً ، أو في حكم اليتيم.
وفي: رَبَّيَانِي صَغِيراً.. { [الإسراء: 24] اعتراف من الابن بما للوالدين من فضل عليه وجميل يستحق الرد.
وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه في تذييل هذا الحكم بقضية تشترك فيها معاملة الابن لأبويه مع معاملته لربه عز وجل ، فيقول تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} .