"وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم"
ولا سيما إذا صارت المعاصي اللسانية معتادة للعبد فإنه يعز عليه الصبر عنها ولهذا تجد الرجل يقوم الليل ويصوم النهار ويتورع من استناده إلى وسادة حرير لحظة واحدة، ويطلق لسانه في الغيبة والنميمة والمفكه في أعراض الخلق وربما رخص أهل الصلاح والعلم بالله والدين والقول على الله ما لا يعلم، وكثير ممن تجده يتورع عن الدقائق من الحرام والقطرة من الخمر ومثل رأس الإبرة من النجاسة، ولا يبالي بارتكاب الفرج الحرام، كما يحكى:
أن رجلا خلا بامرأة أجنبية، فلما أراد مواقعتها قال يا هذه غطِّ وجهك فإن النظر إلى وجه الأجنبية حرام.
وقد سأل رجل عبد الله بن عمر عن دم البعوض فقال انظروا إلى هؤلاء يسألوني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله؟!!
واتفق لي قريب من هذه الحكاية كنت في حال الإحرام فأتاني قوم من الأعراب المعروفين بقتل النفوس والإغارة على الأموال يسألوني عن قتل المحرم القمل؟
فقلت يا عجبا لقوم لا يتورعون عن قتل النفس التي حرم الله قتلها ويسألون عن قتل القملة في الإحرام.
والمقصود أن اختلاف شدة الصبر في أنواع المعاصي وآحادها يكون باختلاف داعيه إلى تلك المعصية في قوتها وضعفها.
ويذكر عن على رضي الله عنه أنه قال:
"الصبر ثلاثة فصبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية."
فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة.
ومن صبر على الطاعة حتى يؤديها كما أمر الله كتب الله له ستمائة درجة.
ومن صبر عن المعصية خوفا من الله ورجاء ما عنده كتب الله له تسعمائة درجة"."
وقال ميمون بن مهران:
"الصبر صبران فالصبر على المصيبة حسن، وأفضل منه الصبر عن المعصية".
[فَصْلٌ: الْمَعْصِيَةُ مَجْلَبَةٌ لِلذَّمِّ]
وَمِنْ عُقُوبَاتِهَا: أَنَّهَا تَسْلُبُ صَاحِبَهَا أَسْمَاءَ الْمَدْحِ وَالشَّرَفِ، وَتَكْسُوهُ أَسْمَاءَ الذَّمِّ وَالصَّغَارِ، فَتَسْلُبُهُ اسْمَ الْمُؤْمِنِ، وَالْبَرِّ، وَالْمُحْسِنِ، وَالْمُتَّقِي، وَالْمُطِيعِ، وَالْمُنِيبِ، وَالْوَلِيِّ، وَالْوَرِعِ، وَالصَّالِحِ، وَالْعَابِدِ، وَالْخَائِفِ، وَالْأَوَّابِ، وَالطَّيِّبِ، وَالْمَرَضِيِّ وَنَحْوِهَا.