جاءت سورة الحشر بعد سورة المجادلة فكانت نموذجا للموضوع الرئيسي في سورة المجادلة، وهو استحقاق الذين يحادون الله ورسوله الكبت والذلة، إذ عرضت لنا ما أصاب بني النضير من خزي وإذلال بسبب مشاقتهم لله وللرسول، وقد ذكر الله عز وجل في هذه السورة موقف المنافقين وتوليهم للكافرين، وسنرى أن سورة الممتحنة ستأتي لتبدأ بالنهي عن تولي أعداء الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ... وهكذا تتعانق نهايات السور ببدايات ما بعدها بشكل عجيب، ولقد رأينا في السورة بعض ملامح الحكمة في توزيع آيات الأحكام على القرآن كله، فقد عرضت السورة التشريع الذي له علاقة بالفئ في سياق يستخرج التسليم المطلق من المؤمن، إذ وضعت هذه الأحكام في سياق التذكير بخصائص الإيثار واحتياجات المحتاجين، وفعل الله عز وجل، وغير ذلك مما رأيناه بحيث لا يسع الإنسان إلا أن يسلم بالفئ لأهله، وهكذا فعل الله عز وجل في كل ما أمر به
ونهى عنه إذ جاء في سياق يحمل على التطبيق والالتزام، وسورة الحشر مع سورة الممتحنة مجموعة برأسها، ولذلك فإن سورة الحشر تؤلف مع سورة الممتحنة كلا متكاملا يظهر ذلك في أن سورة الحشر تحدثت عن الكافرين وموالاتهم، وها هي ذي سورة الممتحنة تنهى المؤمنين عن سلوك هذا الطريق.
بعد مقدمة سورة البقرة جاءت دعوة لعبادة الله وتوحيده للوصول إلى التقوى، وجاءت بشارة لأهل الإيمان والعمل الصالح، وكل ذلك في الآيات الخمس الأولى من المقطع الأول من القسم الأول، والملاحظ أن سورة الحشر عرفتنا على الله من خلال أسمائه وأفعاله، ومعرفة الله هي الأساس الذي تقوم عليه العبادة كما جاء في سورة الحشر قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وهذا يشير إلى أن سورة الحشر فصلت في مقدمة سورة البقرة والآيات الخمس بعدها.