فهرس الكتاب
وقال الشيخ/ عبد الرحمن حَبَنَّكَة:
سورة الحشر
{ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتقوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) }
أي: إنّ إيمانكم بالله واليوم الآخر يقتضى منكم الالتزام بطاعة الله، لتَتَّقُوا عذابه يوم الدين.
{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) }
فجاء البَدْءُ بذكر اسم"الْمَلِك"إذ هُو مَالِكُ كُلِّ شيء وذو السلطان على كلّ شيء، والبدءُ به هو الملائم في السّياق بعد بيان اسمه (الله) ويبان أنّه لا إله بحقٍّ إلاَّ هو، وجاء بعد"الْمَلِك"اسمان من أسماء الله الحسنى متلائمان يتطلَّبهما السياق وهُمَا"القدُّوس"و"السّلاَم"فمعنى القدّوس: الْمُنزَّه عن صفات النقص الّتي لا تليق بالرَّبّ الخالق المعبود. ومعنى السّلاَم: ذو السلامة من كلّ نقص في ذاته وصفاته وأفعاله، فهما متلائمان، وبعد التنزيه يستدعي السياق إثبات صفات الكمال له، وأوَّلُها شُمُولُ علمه كُلَّ شيء، وأنّه يعْلَمُ كلّ شيء علماً يقينيّاً لا يُخَالطه أدنى شَكّ، والاسم الملائم لهذا"المؤمن"وبعد شمول علمه كلَّ شيء يستَدْعي الفكر إثبات هَيْمَنَتِه بقدرته وسلطانه على كُلِّ ما سواه مما هو خالق له، وممّا سيخلقه، فجاء الاسم الملائم وهو"المهيمن"ومن هيمنته بقدرته وسلطانه، أنْ يكون قويّاً ذا قوّة غالبة، لا يستطيع معارضٌ أن يعارضها، فجاء الاسم الملائم
لهذا هو"العزيز"إذْ معناه القويّ الغالب، ومن عزّته أَنْ يكون إذا أراد شيئاً فعله بالْجَبْرِ، ضدّ أيّةِ قُوَّةٍ لها إرادةٌ معارضة، من خلقه الذين منحهم الإِرادات الحرَّة وسخَّرَ لَهُمْ في كونه بعض المسخّرات، والاسم الدالّ على هذا هو"الجبّار"ويُدْرِكُ الذهن أن من جَمَعَ الصفات السابقات لا بُدَّ أن يكون أكْبَر منْ كُلِّ كبيرٍ في الْوُجُود، وأن يكون عالماً بهذه الصفة من صفاته، فجاء الاسم الدَّالُّ على هذه الحقيقة"المتكَبِّر"أي: الْمُثْبِت لنفسه أنّه أكبر من كلّ كبير إثباتاً مؤكّداً. انتهى انتهى {البلاغة العربية، لحَبَنَّكَة} ...