الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ، الَّذِي يَتَصَدَّعُ مِنْ خَشْيَتِهِ الْجَبَلُ أَيُّهَا النَّاسُ، هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ وَالْأُلُوهِيَّةُ إِلَّا لَهُ، عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَشَاهِدٌ مَا فِيهِمَا مِمَّا يُرَى وَيُحَسُّ.
{هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}
يَقُولُ: هُوَ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، رَحِيمٌ بِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ ... (23) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ، الْمَلِكُ الَّذِي لَا مَلِكَ فَوْقَهُ، وَلَا شَيْءَ إِلَّا دُونَهُ، {الْقُدُّوسُ} ، قِيلَ: هُوَ الْمُبَارَكُ.
وَقَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ مَعْنَى التَّقْدِيسِ بِشَوَاهِدِهِ، وَذَكَرْتُ اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: {السَّلَامُ}
يَقُولُ: هُوَ الَّذِي يَسْلَمُ خَلْقُهُ مِنْ ظُلْمِهِ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ.
وَقَوْلُهُ: {الْمُؤْمِنُ}
يَعْنِي بِـ {الْمُؤْمِنِ} : الَّذِي يُؤَمِّنُ خَلْقَهُ مِنْ ظُلْمِهِ.
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ: {الْمُؤْمِنُ} أَمَّنَ بِقَوْلِهِ إِنَّهُ حَقٌّ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {الْمُؤْمِنُ} : الْمُصَدِّقُ الْمُوقِنُ، آمَنَ النَّاسُ بِرَبِّهِمْ فَسَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَآمَنَ الرَّبُّ الْكَرِيمُ لَهُمْ بِإِيمَانِهِمْ صَدَّقَهُمْ أَنْ يُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ.
وَقَوْلُهُ: {الْمُهَيْمِنُ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: {الْمُهَيْمِنُ} الشَّهِيدُ.
عَنْ قَتَادَةَ: {الْمُهَيْمِنُ} قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كِتَابًا فَشَهِدَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُهَيْمِنُ: الْأَمِينُ
وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُهَيْمِنُ: الْمُصَدِّقُ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {الْمُهَيْمِنُ} قَالَ: الْمُصَدِّقُ لِكُلِّ مَا حَدَّثَ، وَقَرَأَ: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}
قَالَ: فَالْقُرْآنُ مُصَدِّقٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ، وَاللَّهُ مُصَدَّقٌ فِي كُلِّ مَا حَدَّثَ عَمَّا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا بَقِيَ، وَمَا حَدَّثَ عَنِ الْآخِرَةِ.