وقال القاضي عبد الجبار الهمذاني (المعتزلي) :
سورة الحشر
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ) أنه يدل على ان اخراجهم من خلق الله. وربما قيل أيضا ما معنى (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) فسمى خروجهم حشرا؟ وجوابنا أنه تعالى لما فعل سبب إخراجهم أضيف ذلك إليه ولما أمر بإخراجهم أضيف إليه أيضا ولذلك قال تعالى (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ) وذلك لا يصح الا والخروج من قبلهم وإنما سمّاه حشرا من حيث وقع خروجهم على وجه الجمع والسوق كقوله تعالى (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً) وقوله تعالى من بعد (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) يدل على قولنا لأن مشاقّة العبد لله ورسوله بأن الله تعالى يخلق ذلك فيه لا تصح وقوله تعالى (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) قد قيل فيه ان المراد بالاذن العلم وقد قيل بل المراد فبأمر الله ولذلك قال تعالى من بعد (وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) .
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) أليس ذلك كالمتناقض؟ وجوابنا أنه بين بقوله تعالى (ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) أنه لا نصرة يجدونها بعد هذه النصرة وعلى ذلك صح.
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ) ما فائدة هذا التكرار؟ وجوابنا أن المراد بالأول أن يتقوا الله في حفظ ما فعلوا من الطاعات والمراد بالثاني ان يتقوا في جميع ما كلّفوا ولذلك قال (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) وأما معنى قوله تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ) المراد أنه بتركهم طاعة الله خلاهم وخذلانهم ولذلك قال (أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) .
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) كيف يصح ذلك في الجبل وهو جماد؟ وجوابنا أن ذلك مثل ضربه الله تعالى لمن لا يتفكر في القرآن ولا يخشع عنده ولذلك قال تعالى (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ) ويمكن أن يقال إن المراد به أن الجبل لو كان حيا يصح أن يسمع ويتدبر لكان هذا حاله. انتهى انتهى. {تنزيه القرآن عن المطاعن / للقاضي عبد الجبار (المعتزلي) صـ 420 - 421} .