فهرس الكتاب
ومن لطائف ونكات تفسير السمعاني:
سورة الحشر
قَوله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ}
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ قَالَ: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يتَصَوَّر أَن يخربوا بُيُوتهم بأيدي الْمُؤمنِينَ؟
وَالْجَوَاب: إِنَّمَا أضَاف إِلَيْهِم؛ لأَنهم هم الَّذين ألجأوا الْمُؤمنِينَ إِلَى التخريب، وحملوهم على ذَلِك بامتناعهم عَن الْإِيمَان.
«فَإِن قَالَ قَائِل» : لم يخربوا بُيُوتهم؟
قُلْنَا: طلبُوا من ذَلِك توسيع مَوضِع الْقِتَال. وَعَن الزُّهْرِيّ: أَن الْمُسلمين كَانُوا يخربون من خَارج الْحصن، وَالْيَهُود كَانُوا يخربون من دَاخل الْحصن، وَكَانَ تخريبهم ذَلِك ليحملوا مَا استحسنوه من سقوف بُيُوتهم مَعَ أنفسهم.
وَقيل: لِئَلَّا تبقى للْمُؤْمِنين.
قَوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: {مِنْ قَبْلِهِمْ} وَالْأَنْصَار إِنَّمَا آمنُوا من بعد الْمُهَاجِرين؟ وَالْجَوَاب أَن قَوْله: {مِنْ قَبْلِهِمْ} ينْصَرف إِلَى تبوء الدَّار لَا إِلَى الْإِيمَان.
وَالثَّانِي أَن قَوْله {مِنْ قَبْلِهِمْ} وَإِن انْصَرف إِلَى الْإِيمَان فَالْمُرَاد مِنْهُ قبل هجرتهم؛ لِأَن الْأَنْصَار كَانُوا قد آمنُوا قبل هجرتهم.
قَوْله تَعَالَى: {لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ}
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ قَالَ: {لَا يَنْصُرُونَهُمْ} ثمَّ قَالَ {وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ} وَإِذا أخبر الله تَعَالَى أَنهم لَا ينصرونهم كَيفَ يجوز أَن ينصروهم؟
وَالْجَوَاب من وُجُوه:
أَحدهَا: أَن قَوْله: {لَا يَنْصُرُونَهُمْ} فِي قوم من الْمُنَافِقين، وَقَوله: {وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ} أَي: فِي قوم آخَرين مِنْهُم، وهم الَّذين لم يَقُولُوا ذَلِك القَوْل.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن قَوْله: {لَا يَنْصُرُونَهُمْ} أَي: طائعين.
وَقَوله: {وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ} أَي: مكرهين.
وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن قَوْله: {لَا يَنْصُرُونَهُمْ} أَي: لَا يدومون على نَصرهم.
وَقَوله: {وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ} أَي: نصروهم فِي الِابْتِدَاء.
وَالْوَجْه الرَّابِع كَمَا قَالَه الزّجاج: هُوَ أَنهم {لَا يَنْصُرُونَهُمْ} على مَا قَالَ الله تَعَالَى، وَقَوله: {وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ} أَي: قصدُوا نصرتهم، لولوا الأدبار أَي: انْهَزمُوا، وَذَلِكَ بِمَا يلقِي الله تَعَالَى فِي قُلُوبهم من الرعب. انتهى انتهى {تفسير السمعاني} ...