الحال الثالث والعشرون: ظنهم أن الله تعالى لا ينصر المجاهدين على الكفار وأن الكفار لا يمكن هزيمتهم من قبل المجاهدين:
وهذا لازم الحال السابق، فهم عندما ينظرون لسير المعركة الدائرة بين المجاهدين والكفار، ينظرون إليها بعين المادية البحتة والحس المشاهد، فمن كان أكثر عددا وأقوى عدة فهو المنتصر والبقاء له، وأن الطرف الآخر هو المهزوم، وسينتهي ولا تمكين له، ولا يلتفتون لما ورد أن هذا الأمر من كثرة العدد وقوة العدة لا أثر له في الحقيقة على الانتصارات، إنما النصر من عند الله سواء أقل العدد أم كثر، أضعفت العدة أم قويت، ولا يلتفتون إلى أن الله ناصر لعباده المؤمنين المجاهدين في سبيله، وأنه معهم بتأييده، وأن العاقبة لهم وإن طالت الحرب، وأن من توكل على الله كفاه، فيبنون على نظرتهم تلك جميع مواقفهم من موالاة الكفار والقدح في المجاهدين وغير ذلك، فلا يثقون بموعود الله بالنصر والتمكين، وظنونهم بالله سيئة، ولهذا في بعض الآيات التي تبين هذا الحال الذي يسلكه المنافقون، يعقب الله تعالى ما يشير إلى نصره وتأييده لعباده المجاهدين والثقة بذلك والتوكل عليه في ذلك كما سيأتي إن شاء الله في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الفتح 4] وقوله: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال 49] .
فهم يظنون أن الله تعالى لا ينصر عباده المجاهدين، وأنهم لن يغلبوا الكفرة، وأن أهل الكفر سيقضون عليهم ويستأصلون كما قال تعالى عنهم: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} [الفتح 6] .
قال ابن كثير:"أي يتهمون الله تعالى في حكمه ويظنون بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال تعالى (عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم) أي أبعدهم من رحمته (وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا) ثم قال عز وجل مؤكدا لقدرته على الانتقام من الأعداء أعداء الإسلام ومن الكفرة والمنافقين (ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما) "انتهى.
وقال عنهم في غزوة أحد: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران 154] .
قال ابن الجوزي في زاد المسير:"قوله تعالى (يظنون بالله غير الحق) فيه أربعة أقوال:"