الأمر الثاني: ببيان ضدها والنهي عن ارتكاب ذلك الضد؛ لمناقضته للأمر الأول؛ ولذلك نعلم أن الشريعة جاءت ببيان التوحيد والنهي عن الشرك، وهو ضد توحيد الله سبحانه وتعالى وهذا أعظم وجوه البيان، وأعظم بيان التحقيق والتوضيح؛ ولهذا إذا أراد الإنسان أن ينظر في أمر أمر الله به، ونهى عن ضده على وجه الإجمال والتفصيل، وكذلك السرد في النصوص كتابًا وسنة لم يجد شيئًا يوازي توحيد الله سبحانه وتعالى منزلة، وذلك أن الإشراك مع الله عز وجل هو أعظم ظلم يقع فيه الإنسان، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] ، جعل الله الظلم هو الإشراك؛ لهذا لما نزلت هذه الآية كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى، قال: (شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، ومعنى أنه شق عليهم ذلك: أن قوله جل وعلا الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] ، أن الأمن يسلب منا إذا وقعنا في الظلم، كأن نظلم بعضنا في الدينار والدرهم، بالكلام ونحو ذلك، أو ربما بشيء من الأمور الكبيرة التي لا تصل إلى المفاصلة والمفارقة بين العبد وربه، فيكون الإنسان يعادي معاداة تامة كما يعادي أهل الكفر. فشق ذلك على الصحابة، أي: كيف نقع في شيء من الظلم ثم لا يكون لنا الأمن يوم القيامة (جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنه ليس كما تظنون؛ إن الظلم هنا هو الشرك، أولم تسمعوا لقول العبد الصالح لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ) .