إن توحيد الله وإفراده بالعبادة هو القضية التي لأجلها جاهد من جاهد وناضل من ناضل، وكان الناس فيها في مقابل الأنبياء على فريقين: أناس يوالون، وأناس يعادون، فالذين يوالون هم أهل التوحيد، والذين يخالفون ويعادون هم أهل الإشراك مع الله عز وجل. الله سبحانه وتعالى ما خلق الخلق إلا لعبادته، وعبادة الله التي لأجلها خلق الخلق ليست موكولة من جهة التفسير إلى الأذواق والحس ونحو ذلك، وإنما هي إلى النص من كلام الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن العبادة على مراتب، وأعلى هذه المراتب هي لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتفسير هذه الكلمة يعني: لا معبود بحق إلا الله، وأما الذين يعبدون غير الله -وإن ظنوا أنهم عبدوا الله جل وعلا بما شرع- فهم يعبدون وهمًا ويعبدون سرابًا، أو فسروا العبودية على ما يريدون فضلوا في ذلك وأضلوا.
وكثير من المتعبدين حينما يتعبدون لله ظاهرًا يظنون أنهم قد تعبدوا لله جل وعلا كذلك باطنًا، ومن الناس من يظن أنه إذا تعبد لله باطنًا وخالف أمور الظواهر أنه متعبد لله جل وعلا وهذا من الوهم والغلط؛ ولهذا كثير من الناس الذين يطوفون على الأضرحة والقبور والمزارات، ويسجدون عندها وينذرون لها، ويعطونها ويهبونها كثيرًا من الأموال؛ دفعًا للشر وجلبًا للخير، ويسألونها من دون الله جل وعلا ذلك، هذا هو الكفر المبين، مع كونهم يزعمون أن ذلك ما كان لهؤلاء الأولياء إلا لفضل الله وجلالة منزلته في قلوبهم، قالوا: لا نعبدهم إلا لأنهم كانوا أولياء لله سبحانه وتعالى، فلما كانوا كذلك فإننا نعبدهم من دون الله جل وعلا، أو نجعلهم وسطاء بيننا وبين الله جل وعلا.