ولهذا قال الفضيل كما روى البيهقي في شعب الإيمان من حديث محمد بن عبدويه قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما، والمراد من هذا أنه ينبغي للإنسان إذا وجد في قلبه ميلًا لحب فلان أن يؤدي ما كان يؤديه، مع المجاهدة للقلب، وألا يدع ما هو عليه من الخير بل يجاهد ويفعل؛ لأن ترك العمل لأجل الناس من وجوه الرياء، ومعنى من وجوه الرياء: أن العبادة كانت قائمة لله سبحانه وتعالى على سبيل الدوام في مثل هذا الوقت، فتركها في مثل هذا الوقت إما أن يكون عبادة، وإما أن يكون عادة، وما يتعلق بالعبادة من الأفعال والتروك لا يكون إلا عبادة، فإذا فعل ذلك فترك العبادة عبادة يتدين بها الإنسان خشية الرياء، وهذا فعل ذلك لغير الله. وينبغي للإنسان أن يحذر من ترك العبادة لغير الله جل وعلا، بل يفعل ما كان معتادًا عليه، وأن يخلص لله سبحانه وتعالى. وينبغي أن يحذر الإنسان من هذا الباب وهو الرياء والسمعة، فمداخله عظيمة وصوره متنوعة، يكون حتى في الأمور الدقيقة في حب الإنسان لمدحه حتى من أقرب قريب إليه، الأب عند ابنه والعكس، والجار عند جاره، والأخ عند أخيه، وغير ذلك من الصور؛ لهذا ينبغي للإنسان أن يحذر من هذه الصور وأن يتوقى بالاستعاذة من شرها، وطلب الكفاية من الله سبحانه وتعالى.
وكذلك ينبغي أن نعلم أن ثمة فروقًا بين الشرك الأكبر والأصغر: فالشرك الأصغر هو من الوسائل الموصلة إلى الشرك الأكبر، والشرك الأكبر لا يغفره الله عز وجل لصاحبه إلا بالتوبة، وأما الأصغر فهذا من مواضع الخلاف كما تقدمت الإشارة إليه. كذلك فإن الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه، وورده كما تقدم في قول الله جل وعلا: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك) .