ولهذا ظهرت طوائف كثيرة يجعلون الإيمان هو ما استقر في القلب، وربما جاء ما يؤيده ببعض فلتات اللسان، ولو ناقضوا ذلك بأفعالهم وأقوالهم لا شك أن هذا من الأمور الباطلة؛ لهذا فرعون وإبليس يؤمنان ببواطنهما أن الله جل وعلا هو الخالق، فإبليس قد شهد الملائكة، وقد قيل: إنه رأى الله جل وعلا، وشاهد أنبياء الله سبحانه وتعالى وزامنهم وعاصرهم فكان من أعلم الخلق بالله سبحانه وتعالى وأحقيته بالتوحيد، فهو موقن بقلبه بحق الله جل وعلا، ولكنه خالف بأقواله، فهل ينسب إلى الإيمان والتوحيد لوجود هذا الإقرار بقلبه؟ كذلك فرعون حينما أدركه الغرق آمن أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فهذا الإيمان الذي ظهر على قلبه حينما أدركه الغرق هو في وقت الغرغرة، وأما في وقت الحقيقة والإيمان فلم يقترن قول اللسان وعمل الجوارح بعمل القلب، فلما كان كذلك لم يعد من أهل الإيمان، فالنار يعرضون عليها غدوًا وعشيا، ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب. لهذا كانوا من أهل النار لماذا؟ لأنهم لم يقرنوا عمل القلب بقول اللسان وعمل الجوارح؛ ولهذا ظهرت طوائف يقولون: إن عمل الجوارح ليس من الإيمان، ومنهم طوائف غلاة يقولون: إن قول اللسان وعمل الجوارح ليس من الإيمان ما وجد ذلك في القلب؛ ولهذا يرجعون من لوازم أقوالهم: أن من وقع في شيء من المكفرات وقام القائم على عدم وجود العذر له فإنه لا يكفر حتى يقر بقلبه، وهذا متلازم مع أصل المسألة أنهم لا يؤمنون بأن الإيمان هو ما في القلب وقول اللسان وعمل الجوارح، فإذا نفوه تقريرًا من جهة الأصل نفوا لازمه، كذلك من جهة عمل الجوارح فإنهم لا يوقعون الكفر على من كفر بقوله أو بفعله.