أَلِف الصُّفونَ فلا يزال كأنَّه ... ممّا يقومُ على الثّلاثِِ كَسيرا [1] .
وقد ألمح بلْ صرَّح بأصلِ هذا الاستعمالِ السّجستانيّ فقال:"وأصلُ الصَّافن في الخيلِ، يقال صَفَن الفرسُ فهو صافنٌ إذا قام على ثلاثِ قوائمَ وثنى سُنْبك الرابعة" [2] والظّاهر أنّ تعميمًا دلاليًّا وقع، فقد كان يختصُّ بالخيلِ، وهذا ما يشهدُ به السجستانيّ، ثم اتسعت دائرتُها الدّلاليةُ فاستغرقتْ الخيلَ وغيرَه، ولذلك وُسِم هذا الطَّور من التطوّر الدّلاليِّ بأنّه تعميم، ثمّ انتقلت في كلامِ اللاّحق ليغدوَ الصفون والصَّفْنة على هيئةٍ من التّراخي مع كثيرٍ من التأملِ وإحداقِ النّظر وتسريح الخاطرِ كما تقدّم قبْلًا، ومن أمثلةِ فهم اللاّحق لهذه الكلمةِ فهمًا معاصرًا نهيُ الرّسول - صلى الله عليه وسلّم - عن صلاة الصّافِن، وقد ذهب جميعُ أبناء العربيّةِ من الفئةِ المنتقاةِ إلى أنّ الصّافنَ ههنا هو الذي سرّح خاطرَة وصفن؛ ولم يكن لدلالةِ السّابقِ المتقدِّم بيانُها حظٌّ في التّفسيرِ ولا في الاستشرافِ، وأين هذا من ذاك؟ فالصّافن في حديث الرسولِ - صلى الله عليه وسلّم - هو الذي يجمعُ قدميه [3] ، وفي حديثٍ آخر دالٍّ قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم:-"مَن سرّه أن يقومَ له النّاسُ صُفونًا فليتبوأْ مقعدَه من النّار"، والمعنى: يُديمون له القيامَ [4] .
(1) . انظر: الشعر غي الأساس واللسان تحت مادة"صفن".
(2) . السجستاني، النزهة،297.
(3) . انظر: ابن الاثير، النهاية،3/ 39.
(4) . انظر الحديث: ابن الأثير، النهاية، 3/ 39، وابن منظور، اللسان، مادة"صفن"، والمصافنة الموافقة في مركز القتال من الصفون، انظر: الزمخشري، الفائق،2/ 345.