عليه دراساتٌ وافيةٌ تُجلِّه وتبيّن مظاهرَه في مستوياتِ العربية [1] ، وموضعُ المبَاحثةِ في هذه الورقةِ قائمٌ على ملحظٍ له خطرهُ في تلقّي نصّ السّابق والوقوفِ على مقاصِده ورسوم تعابيره، والحقّ أنّ النّاظرَ في المُعْجماتِ العربيةِ يجدُ بينَ كثيرٍ من الألفاظِ ودِلالاتِها تراخيًا جليًّا، ولا يُنْسى أنّ كثيرًا من أَلفاظِ العربيّةِ المُعمّرةِ مُتداوَلةٌ، وقد خضعتْْ لناموسِ التَّطوّر، فانزاحتْ بعضُ الألفاظِ عن دلالاتِها قليلًا، وتراخَتْ أُخرى إلى حدِّ الإيهامِ دونَ الإحكامِ، وقدْ كانَ مِن شأن هذا الذي تقدًّم أَنْ يُعقِبَ التباسًا وغموضًا في بعض المواقف الكلاميّةِ، كأنْ يفهمَ الّلاحقُ ألفاظَ السّابقِ كَما يفهمُها في عصرِه ظانًّا أنّ تلكم الألفاظَ المُتقادمةَ كانت تعني عندَ السّابقِ ما تَعْنيه عندَ اللاّحق، فكثيرٌ منّا يَوْهمون إذْ يظنُّون أنّ بعض الألفاظِ المتقادمةِ كانت تعني أمسِ ما تعنيه اليومَ.
والحقّ أنّ للتطوّر الدِّلاليِّ بواعثَ مخصوصةً وأعراضًا، فدِلالاتُ الألفاظِ في حركة دائمة، فمنْ تعميمٍ إلى تخصيص ٍ إلى رقيِّ إلى انحطاطٍ، وتفعلُ بواعثُ مخصوصةٌ أدوارًا تُفضي إلى تطوّرِ دِلالاتِ الألفاظِ، ومن ذلك الأدوارُ الاجتماعيةُ والتّاريخيةُ والنّفسيّةُ وكثرةُ التداولِ والحاجةُ وتطوّرُ المُجتمع، ثم إنّها وسيلةُ التفكيرِ وأداتُه، والفكرُ في حركةٍ دائبةٍ مُتوثِّبةٍ، وما يجري على الفكرِ يجري عَلى اللّغةِ.
(1) . للوقوف على الأبحاث التي عنيت باستشراف التحول في المستوى التركيبي انظر: نهاد الموسى، اللغة العربية بين الثبوت والتحول: مثل من ظاهرة الإضافة، حوليات الجامعة التونسية، ع 13، 1976 م، 7 - 55، ومحمد رباع، انحسار الأصول وانتشار الفروع في نحو العربية، بحث قبل للنشر في مجلة دراسات، الجامعة الأردنية، عمان، 2002 م. وفي المستوين الصرفي والتركيبي: محمد الخولي، دراسات استطلاعية تحليلية لمفردات اللغة العربية وجملها، بحث في كتابه"دراسات لغوية"، دار الفلاح، عمان، 1988 م، 71 - 114.