وفي افتراضٍ وليدِ الخيالِ لا أملُّ من تَردادِه أقولُ: لنا أن نسرِّحَ الخاطرَ متخيّلين أنّ أمرأَ القيسِ"السّابقَ"بُعِثَ حيًّا مِن قبرِه بِمشيْئَة الله القدير، وأنّه بدأ يتجوّلُ في أسواقِ اللاحق ِ بزيِّه العربيِّ التّقليديِّ وقد نفض عن جبَيْنِه رمالَ الصحَّراءِ، أحسبُ أنّ نصيبَه معنا من التّواصلِ خافتٌ؛ ذلك أنّ كثيرًا مِن الأَلفاظِ الحادِثَةِ لا عهد له بها، كالحاسوب، والهاتف، والتّلفازِ والمذياع، وأَنَّ كثيرًا من ألفاظِ عصرِه استوت اليومَ في ملامحَ دِلاليّة ٍ مفترقةٍ عن ملامِحها الأولى افتراقًا يسيرًا أو خطيرًا، ولا يُنسى أنّه سيفتقدُ كثيرًا مِن ألفاظِ عصرِه التي طواها الزّمن؛ سيفتقدُ ناقته وصفاتها، وسيفَه وأوصَافه والملامحَ الدّلاليّةَ المميِّزَةَ لكلِّ وصفٍ، والخمرةَ وأشكالَها، وأنواعَ الرّياح التي كان يقيمُ فروقًا دلاليّةً بين ألفاظِها، وحصانَه والأوصافَ الدّقيقةَ التي كان يسبغُها عليه، وفوقَ هذا كلِّه، سيجدُ نفسَه غريبًا في عالم البنطال والقميصِ، وأحسبُ أنّ الباحثَ غيرُ مبالغٍ لو قال: والأمرُ عند اللاّحقِ كما هو عند السّابقِ"امرئ القيس"، فإذا ما أُرْجِع إلى القُرونِ الأولى فإنّه سيلاقي عَنتًا ومشقّةً في التّواصل، بل ستفضي به تلك المشقّةُ إلى أبوابِ التفّاصل؛ ذلك أنّه سينقّرُ عن معاني ألفاظِ السّابق في المُعْجمات، وقد يتعذَّر عليه إدراكُها إدراك السّابق، وسيجد أن كثيرًا من المدلولات قد تطورتْ مع بقاء رسمها على ما هو عليه كالبريدِ وريشةِ الكتابةِ والدّبابةِ والقطار، ولا يُنسى امّحاءُ الفروقِ الدّلاليةِ المميِّزة التي كان يقيمُها السّابق، كالفرق بين القعود والجلوس، والظّلّ والفَيء، والقضيم والكَهامِ، وغيرُ ذلك كثيرٌ كثيرٌ، حقًا إنها مشكلةٌ لغويّة تفضي باللاّحق إلى الولوجِ في عالمِ اللّبسِ من بوّابةٍ عريضةٍ: مِن امِّحِاء الفروق الدّلاليّةِ، ومن انزياحِ الألفاظِ عن دلالاتِها إلى حدِّ الإيهام دون الإحكام ِ، ومن انتفاء مقدرتِه على إقامةِ بونٍ بين المُطلَق والمُقيَّد، وعندَها ستصبحُ النّاقة وصفاتُها المتباينة ِ المتنوعةُ"ناقةً"واحدةً عند اللاّحق، وهي عند السّابقِ أشكالٌ وألوانٌ وأنواعٌ، وستغدو أنواعُ السيوفِ وصفاتُها