ويلاحظ أن العبارة الأخيرة قد اقتبسها ابن جني في خصائصه رغم اختلاف المثال، وأضاف سيبويه مثالًا وهو قوله تعالى:"ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا" (آية 24 سورة الإنسان) ، وقدم للمثال بقوله:"ونظير ذلك قوله عز وجل (الآية) "ثم عقب عليها بقوله:"أي لا تطع أحدًا من هؤلاء" (99) .
وأما ابن جني، فقد ذكر الآية بعد مثاله الآنف الذكر وقدم لها بقوله: "وعلى ذلك جرى النهي في هذا الطرز من القول في قول الله سبحانه:"ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا"وكأنه - والله أعلم - قال: لا تطع هذا الضرب من الناس".
وزاد ابن جني في توضيح معنى"التدريج"بأن أضاف من الأمثلة ما استخدمت فيها (أو) في موضع الواو، كما في قول الشاعر أبي ذؤيب الهذلي.
وكان سيان ألا يسرحوا نعمًا أو يسرحوه بها، وأغبرت السوح
ويرى ابن جني أن"سواء وسيان لا يستعمل إلا بالواو"، وأن الأمثلة التي ذكرت يصلح فيها الواو، ولكن (أو) فيها قد جرت مجرى الواو، ولذلك حصل لها هذا (التدريج) في الاستعمال، فأجريت مجرى الواو" (100) ."
وهناك ظواهر لغوية أخرى تحت عنوان"تدريج اللغة"ذكرها ابن جني، ومنها: قلب الواو من صبوان وصبوة إلى ياء في قولهم: صبيان وصبية"لأنه من صبوت، لانكسار الصاد قبلها، وضعف الباء أن تعتدّ حاجزًا لسكونها" (101) .
وهناك أمثلة كثيرة ذكرها ابن جني في هذا الباب، أغلبها مما جرى استعمال الياء في موضع الواو استحسانًا واستخفافًا، ولذلك نرى ابن جني يصرح بأن"جماع هذا الباب غلبة الياء على الواو لخفتها .." (102) .