فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 87

الحمد لله رب العاملين والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعد قصة""حي بن يقظان"من أهم القصص التي ظهرت في العصور الوسطى، في نظر كثير من النقاد، فهي رائدة في فن القص، إلى جانب ألف ليلة وليلة، لهذا لا يحق لنا أن نحاكمها بمقاييس عصرنا، وما توصلنا إليه من إنجازات في النظرية السردية، فإذا حاولنا الحديث عن هذه القصة، بمقاييس عصرنا اليوم فليست الغاية تقويمية، كما قد يظن البعض، وإنما من أجل إبراز إنجازاتها الفنية المدهشة، وإبراز سقطاتها الفنية التي مازلنا نلاحظها لدى كتابنا اليوم، لذلك لا يضير مكانة ابن طفيل وريادته الحديث عنها."

ثمة وعي لدى المؤلف أنه يقدم قصة، لذلك وجدناه يستخدم هذا المصطلح في التمهيد "فأنا واصف لك قصة""حي بن يقظان""وقد استخدم مصطلح "واصف"بدل مصطلح"سارد"أو"أقص"كذلك أبرز في التمهيد أسباب كتابة هذه القصة، إنها أسباب تعليمية فقد كتبها بناء على سؤال صديقه عن الحكمة المشرقية التي ذكرها الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا، لذلك ينصحه بلهجة تعميمية قائلا:"فاعلم: أن من أراد الحق الذي لا جمجمة فيه، فعليه بطلبه والجد في اقتنائه"وهذا ما فعله بطل قصته (حي) حين بذل غاية جهده ليصل إلى الحقيقة."

ثمة عناية في رسم هذا المشهد، ظهرت في طريقة تقديم المؤلف للشخصيتين الرئيستين في القصة، فلجأ إلى رسمهما من الخارج وخاصة شخصية (حي) فبرز لنا في شكله البدائي (شعر رأسه يغطي جسده، ريش النسر الذي يكسوه) كما وصف لنا الأعماق، فاستطاع أن يبرز لنا حالة الرعب التي أحس بها كل واحد منهما حين التقى بالآخر، وخاصة رعب المدني من البدائي، وبذلك اجتمع في هذا المشهد عناصر سردية تجعل هذه القصة ذات سمات فنية ممتعة إلى حد ما.

صحيح أن بداية القصة وخاتمتها تمتعت بقدرات جمالية في السرد، لكن صلب القصة التي تتحدث عن معاناة (حي) الروحية إثر وفاة أمه، بدت أشبه برحلة فلسفية صوفية علمية، فقد أسقط ابن طفيل أفكاره على الشخصية (حي) وجعله يتحدث بلغته الفلسفية الصوفية، فبدت لنا هذه الشخصية البدائية أشبه بفيلسوف مسلم، يتحدث لغة القرآن الكريم، دون أن يتعرف على الإسلام بعد.

إذا رغم حياة العزلة التي عاشها (حي) فقد وجدناه عالما في الفلك، حين تأمل الكون ونشأة الأرض، كما وجدناه طبيبا، حين بدأ بتفحص جثة أمه الظبية، ويشرحها باحثا عن مصدر الحياة وسبب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت