فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 148

وضع الشاعر نفسه بطلًا في الفيلم/ القصيدة، وترحّم على حالته وحياته من أول جملة في النص"التنفس الخشن، لا الشيب ما يحطني على أقرب خشبة قديمة العهد، أقضم الخبز، بعدة بالية، بنظرة تسيل على مهل"وأيضًا"سناجب تقشر العمر بأسنان خيالية"، ثم يلتفت إلى المخرج وينبه القارئ إلى صوته"وصوت يقطع بأمر: أعدها مرة ثانية"، ثم يمرر مسلسل حياته عبر مشاهد شعرية لافتة"أطفأت وصاياكن في الزوايا كسجائر مسروقة عن عيون الممرضات، نفثت رسائلكن في الحديقة لتتعثر الأقدام والعكازات، غرست ورودًا ذابلة في صالات الانتظار على أمل زيارة الأعياد".

يعود الشاعر للمخرج مرة أخرى ويسأل"ألم نتفق على أن المشهد الأجمل سريع وخاطف أين دوري الأخير، خاتم الرواية"، وقد انتهى الفيلم وأضيئت أنوار الصالة وبدأ الناس في الخروج"ويخرج الناس، تدفعهم الإثارة لمشاهدة حياتي أكثر من مرة"، ويتوجه مرة أخيرة إلى المخرج وقد استشاط غضبًا ونعته بالغرّ"أيها المخرج الغِرّ: الفيلم بطيء، لن أمثل أمام عدستك، سأرتجل نهايتي، فلست حَريًّا بالذكريات، وتبًا للحنين".

يحمل الشاعر أدوات السينما، العدسة، والصالة، والإضاءة، والمكياج، ويستقدم مخرجًا للفيلم/ القصيدة، ثم يخبرنا بالدور الرئيس الذي يقوم به ومراجعاته للمشاهد، وهذه التجربة لم تكن لتحدث في القصيدة، لو لم يكن الملا على دراية بالسينما وطقوسها وعلى وعي تام بفنياتها.

لقد مثّل الشاعر حياته في النص بأسلوب سينمائي لافت، ومكنته رؤيته الإخراجية من تسلسل اللقطات، واستعمال الصور السينمائية"استعمالًا مجازيًّا على نحو غير مألوف بصريًّا" [1] ؛ فظهرت ملكته الفنية وتفاعله الإبداعي، ومهنيته الرفيعة في الشعر والسينما معًا، ونجح إلى حدّ بعيد في إيصال تلك الحالة إلينا.

(1) يتحدث كاظم خليل في مقالته المشار إليها سابقًا"القصيدة الضوئية من فيزياء المفهوم إلى كيمياء الرؤيا"بتوسع عن الصورة السينمائية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت