أولًا: الألم
يحضر الألم بوصفه واحدًا من محفزات الشعر القادمة من عوالم الشاعر الداخلية، ويولد الإبداع في لحظة تجلي ذلك الألم وقسوته على نفسية الشاعر، سواء أقدم من منافذ الأعضاء الجسدية أو من تراكمات نفسية. والحق أن الألم ما هو"إلا امتحان لفضائل النفس وصقل لمواهبها"بحسب اوسكار وايلد [1] ، وليس غير الشعر القادر على الترويح عن المشاعر والأحاسيس.
إن شاعرًا كعبد الله باهيثم -رحمه الله- لا يمكن أن نمرّ على ديوانه"وقوفًا على الماء" [2] ، إلا وأن نستشعر حالة الألم وقسوته على نفس الشاعر والمعاناة التي أخرجت لنا تلك القصائد. وسنقتنص نص"الشهود"، -من الشكل الشعري القصيدة العمودية-؛ لنكتشف كيف استنطق الألم الشاعر وحفزه إلى الكتابة، وقرّر أن يخصّص مُستقبِلًا لأحزانه وآلامه، صديقه الأديب السعودي عبدالله مناع؛ ليستمع إليه ويبوح له عما في نفسه في أكثر من قصيدة من قصائد الديوان ويرمز له"الآخر الذي في القلب"، ثم يقول باهيثم:
ظمآن والسنة العجفاء تنسكب ... لكن عزاؤك من تاقوا وما شربوا
غير الذي نزَّ من قطر وبعض ندى ... على جبين خريف هدَّه التعب
ترجِّع الشوف هل هذا الخراب أنا؟ ... سبحانه الله من يسدي ومن يهب
قفر تعلَّب فيه الشمس كل غد ... والليل يفرغ منه الهمس والصخب
والموت يعبث في الأنحاء من عدم ... لا شيء ثمَّة إلا مسّه العطب
عهدي وهجس بني عشقي مذ اندلعت ... أهواؤنا البيض أن نسري فنحتطب
فنسرج الليل في"التهمان"من غلس ... حتى تحلِّق في عتماتِها الشهب
(1) عبود، مرجع سابق، ص 343.
(2) باهيثم، عبدالله، وقوفًا على الماء، (بيروت: دار الانتشار العربي ونادي حائل الأدبي، 2008 م) ، ص 51.