فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 148

لاح المدى فمضى كل على غفَل ... شأن الشوارد إذ تنأى وتقترب

بين المسافةِ والأقدام دامية ... أطلال أمنية خرقاء تنتصب

سرى الليل ضعنا ضعت من قدمي ... والدرب من جهة في القلب ينسرب

لَم أخلُ من ديمة غرّاء أودعُها ... أحلامي البور إذ أُغشى فأستلَب

لا بأس قلت لبعضي عند مفترق ... فَولِّ قلبك شطر الغيم إن كذبوا

فالرمل ليس يشيخ العمرَ من ظمأ ... إذا تشقّق فهو البوح والعتب

وليس من سقطوا ربعي فأدركهم ... هذا الذي يتهاوى الجصُّ والخشب

فإن شكوتك حزني غير مقتصد ... فَعلَّ من بعض شكوى يورق الغضب

يعترف باهيثم من أول أبيات القصيدة بأنه ظمآن وأن ما يمكن أن يسدّ رمقه ليس سوى العرق وبعض ندى وهو ينبه القراء منذ البدء بأنه غارق في كآبته، ثم يصف حالة الأقدار التي صنعت آلامه وأوجاعه ويقرّ بأن الله هو من يسدي ومن يهب، و يخبرنا بأن لا شيء فيه إلا وقد مسه العطب وكل شيء شاهدٌ على ألمه ومعاناته، وتزداد الحالة الانفعالية للشاعر وتعكس نظرته للأشياء والموجودات وشكواه من الزمن الذي وضعه في قدر كهذا، وقد حاول اللجوء إلى ذاكرته البيضاء ليخفف على نفسه وعلينا القمع الذي يهبط عليه ويصف ذلك بقدرة الشاعر الموهوب والمستفيد من لغته في خلق المعاني واستثمار الأفكار.

إن باهيثم يخرج من ألمه ليعود إليه ويجزم بأن أمانيه خرقاء وقد ضاع من خطواته في الليالي القاسية ثم يحاول أن يطمئن نفسه بأن هناك ديمة غراء سيودعها أحلامه المجدبة ويضع لنفسه بادرة أمل كي يعيش، وهو يلجأ إلى السماء وغيمها طمعًا في النجاة ويستمر في النجوى والألم يشتدّ عليه، ويؤكد لصديقه عبدالله مناع بأنه في حزن وألم وشكواه ربما يورق منها الغضب.

لقد نجح الشاعر في التعبير عن انفعالاته وأحاسيسه، وبدا واضحًا أن القصيدة عند باهيثم انبثقت من قدره وظروفه الحياتية المؤلمة، وقد ساعدته موهبته الشعرية ومعجمه اللغوي في تفتيت معاناته وأحزانه في القصيدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت