المبحث الأول: الإبداع في الشعر
يتكئ الإبداع على جملة من المعاني الداعية إلى الجمال والمحلّقة في آفاق الفن وفضاءاته؛ ليترك أثره وانطباعه على المتلقين ويستحوذ على مخيلتهم، وبخاصة في الشعر"الذي لديه القدرة على أن يبث الحياة في العدم"كما يقول بيرك [1] وتحريك كل ما هو صامت وجامد.
"وقد ارتبط مفهوم الإبداع في غالب الفترات التاريخية بمفهوم الجمال" [2] ، وتمكن الكثير من المبدعين والشعراء بصفة خاصة"من رفع الحجاب عن الجمال المخبوء في العالم وجعل غير المألوف يبدو وكأنه مألوف" [3] ، وعبروا عنه بواسطة القصيدة.
ولقد فرقت كثير من الدراسات العلمية بين الإبداع وبين العملية الإبداعية نفسها؛ فالإبداع في حقيقته"من أبدعت الشيء أي اخترعته على غير مثال سابق" [4] . وفي القرآن الكريم نقرأ الآية الكريمة: (بديع السموات والأرض) [5] أي خالقهما على غير مثال سابق.
وقد تعددت التعريفات التي تناولت مفهوم الإبداع؛ فنجده تارة يعرف بأنه:"الوحدة المتكاملة لمجموعة من العوامل الذاتية والموضوعية التي تقود إلى تحقيق نتاج جديد وأصيل وذي قيمة من قبل الفرد والجماعة" [6] . وفي تعريف آخر:"أن ترى ما لا يراه الآخرون، أو أن ترى المألوف بطريقة غير مألوفة"، أو هو:"تنظيم الأفكار وظهورها في بناء جديد انطلاقًا من عناصر موجودة"، كما يصفه بعض العلماء بأنه:"طاقة عقلية هائلة فطرية في أساسها، اجتماعية في نمائها، مجتمعية وإنسانية في انتمائها" [7] . ولا ريب أن التعريفات السابقة تحيل إلى معاني الدهشة والابتكار والخلق الفني، وتدعو إلى كل ما هو مغاير ولافت للانتباه.
(1) عبود، منير، موسوعة الأمثال والحكم والأقوال العالمية، ط 2، (شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2005 م) ، ص 531.
(2) شرف، محمد ياسر، النثيرة والقصيدة المضادة، (الرياض: نادي الرياض الأدبي، 1981) ، ص 12.
(3) عباس، إحسان، فن الشعر، (بيروت: دار الثقافة، سلسلة الفنون الأدبية 3) ، ص 175.
(4) السويدان، طارق محمد؛ و العدلوني، محمد أكرم، ط 3، (مبادئ الإبداع، 2004 م، بدون دار نشر) ، ص 15.
(5) سورة البقرة، الآية: 117.
(6) السويدان؛ والعدلوني، مرجع سابق، ص 18.
(7) المرجع السابق، ص 17.