يشعر الإنسان في حالات مباغتة باغتراب داخلي أو خارجي؛ فيتملكه الحزن وتحاصره الكآبة وربما أحسّ البعض في أشد حالاتها وكأن كل شيء غريب عليه؛ فيقف وحيدًا لا يدري ما يخبئ له الغد ولا يعرف أين سيكون لاحقًا، تصيبه الوحشة فتفقده القدرة على التفكير وتنعدم الطاقة لديه، فتصبح (الغربة جزءًا من الموت) ، ولربما انقاد الشخص لوساوس تدفعه إلى الانتحار والخلاص، وحمّل الآخرين مسؤولية ما آل إليه، والشاعر حينما يتورط فيها وينعزل بسببها فإنه يعبر عنها بكثير من الصدق والحساسية الفنية وينقلها عبر القصيدة إلى الآخرين في أدق معانيها وأسمى تجلياتها. والحق أن الشعراء في تركيبتهم السيكولوجية أناس يعيشون في غربة مستمرة، ولأسباب مختلفة ويحاولون الفرار منها والاستئناس بما تمليه عليهم الحالة الإبداعية، ليكونوا أكثر تعايشًا مع أنفسهم والناس، ويتحول الاغتراب حينئذ إلى محفز على الكتابة والبوح.
إن شاعرًا كإبراهيم الحسين يخرج لنا الغربة من معاني الوحدة التي وجد نفسه محاطًا بها واكتشف في لحظة أنه يقف وحيدًا؛ فيقول في قصيدة"غيابها" [1] -من الشكل الشعري قصيدة النثر-:
"غيابها ليس أكثر من بقائك وحيدًا، ليس أكثر من مكوث قدح الشاي"
في يدك طويلًا، إصغاؤك لقطرة الماء التي تسقط، قفز خطوط السجاد إلى عينيك
كما لو أن يدًا خطّتها للتوّ؛ فبدت أكثر بياضًا،
ذهابك في التفاتة طويلة تنتبه إلى مبالغتك بها متأخرًا
مما يجعلك تدير وجهك إلى جهة معاكسة. فقط لتكون عادلًا.
أنت لا تفكر فيها على الإطلاق .. بل على العكس من ذلك تمامًا،
فالفراغ الذي أحدثه يقين عدم وجودها،
كان كافيًا لأخذ انتباهك من يد كل ما سواه،
كافيًا لأن تفكر فقط أن الهواء الذي يمر لا يحمل رائحتها،
أن عينك ترى كل شيء فيما عداها،
(1) الحسين، إبراهيم، انزلاق كعوبهم، (الدمام: نادي المنطقة الشرقية الأدبي، 1428 هـ) ، ص 15.