فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 148

رابعًا: الماء

كثيرة هي القصائد التي تتناول أمكنة الماء، كالبحر، والنهر وسواهما، والشعراء على دراية تامة بطقوسها وتجلياتها، بالإضافة إلى المساحة التي يمنحها لهم المكان في محاورته والإنصات إلى ما يودّون البوح والتعبير عنه، وتفريغه بواسطة الشعر.

ونحن نقرأ قصيدة"تأمل" [1] للشاعر سعد الثقفي -من الشكل الشعري القصيدة العمودية- سنكتشف أن العلاقة بينه وبين البحر ليست كما يجب، بل إن الأمر يصل إلى محاولة الثأر أو الانتقام، والشاعر ينتهز الحالة الإبداعية التي تملكته، ليهاجم البحر ويستجوبه، ويقول:

"وقفت على ضفاف الشط وحدي ... أشاهد رحلة الأمواج هذه"

تجيء كأنها تسعى لحتفي ... فيوصد دونها ذا الشط بابه

يكسرها جميعا في ذهول ... فما يئست ونالت من حبابه

أللأمواج فلسفة التحدي ... وهل لليمّ سُمّ في عبابه؟

أما سموك غدارًا أجبني ... أما قاتلت في زمن الحرابة؟

فكم أهلكت يا ذا البحر قوما ... وكم شُوهت في زمن الخطابة

تعلمني الصمود وبعض غدر ... سؤالي منك ما وجد الإجابة!""

يصف الشاعر حالة البحر ورحلة الأمواج، ويتخيل أنها تسعى إلى النيل منه وليس غير الشطآن من تقيه شرها، ثم يتساءل"أللأمواج فلسفة التحدي/ وهل لليمّ سُمّ في عبابه؟". وتزداد حالة الانفعال مع الشاعر وترتفع حِدَّة الخطاب ومشاعره تفيض من الغيظ، ثم يوجه اللوم والعتاب إلى البحر"أما سموك غدارًا أجبني/ أما قاتلت في زمن الحرابة؟".

تقترب الحالة التي يشعر بها الثقفي من الحقيقة، على الرغم من أن الشاعر لم يشر إلى الأسباب التي خلقت تلك العداوة، لكن القصيدة مكّنته من إعلان العتاب واللوم والتنفيس عما يدور بداخله.

لقد خرج الشاعر من القصيدة وهو واقف ينظر إلى البحر، ولم يتلق الإجابة عن الأسئلة التي لا تزال تحيره، أو ربما وعى الإجابة، لكنه اكتفى بالخاتمة التي اختارها للنص"تعلمني الصمود وبعض"

(1) الثقفي، سعد، بعض وجع، (بيروت: دار الانتشار العربي ونادي الباحة الأدبي، 2012 م) ، ص 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت